
تقرير: الطابية
عادت مشكلة الكهرباء لتتصدر المشهد في السودان خلال الساعات الماضية، بعد سلسلة من الأحداث التي بدأت بحريق في محطة توليد سد مروي، وأثرت على الإمداد الكهربائي في عدة ولايات.
لم تمضِ ساعات على إعلان وزارة الطاقة احتواء حريق محدود بمحطة توليد سد مروي، حتى تبدلت الرواية الرسمية من الحديث عن عطل محدود إلى الإقرار بوقوع أضرار كبيرة تحتاج إلى أيام لإصلاحها، قبل أن يتلقى السودانيون خبراً جديداً عن اندلاع حريق آخر بمحطة كهرباء بورتسودان القديمة.
وبين الحريقين، تصاعدت موجة غضب واسعة في الشارع، وتحولت الأزمة من مجرد انقطاع للكهرباء إلى نقاش أكبر حول كفاءة إدارة قطاع الكهرباء، وجدوى استمرار بنيته الإدارية الحالية، وسط مطالبات بإقالة وزير الطاقة وإعادة هيكلة القطاع بالكامل.
من “حريق محدود” إلى أضرار كبيرة
كانت وزارة الطاقة قد أعلنت، السبت، خروج محطة كهرباء سد مروي عن الخدمة إثر اندلاع حريق وصفته بـ”المحدود” في أحد كوابل محطة التوليد، مؤكدة أن فرق الدفاع المدني سيطرت عليه سريعاً، وأن العمل جارٍ لإعادة التيار في أقرب وقت.
لكن البيان الصادر في اليوم التالي كشف صورة مختلفة، إذ أوضحت الوزارة أن الحريق تسبب في تلف كبير بالمغذيات الرئيسية لخطي النقل (مروي – المرخيات) و(مروي – عطبرة)، وأن أعمال الصيانة ستستغرق عدة أيام، مع استمرار التحقيقات لمعرفة أسباب الحريق.
وبذلك امتدت القطوعات الكهربائية لتؤثر على ولايات الخرطوم ونهر النيل والشمالية والبحر الأحمر، وهي ولايات تضم الكثافة السكانية الأكبر والنشاط الاقتصادي والإداري الأهم في البلاد.
حريق جديد يوسع دائرة القلق
ولم يكد الشارع يستوعب تداعيات حادث مروي حتى وردت أنباء عن اندلاع حريق مفاجئ بمحطة كهرباء بورتسودان القديمة، الأمر الذي عزز حالة القلق الشعبي، خاصة أن بورتسودان تمثل العاصمة الإدارية المؤقتة للبلاد، وتعتمد عليها مؤسسات الدولة بصورة كبيرة.
وتكرار الحوادث خلال فترة زمنية قصيرة دفع كثيرين إلى التساؤل: هل هي مجرد مصادفات فنية، أم أن قطاع الكهرباء يعاني مشكلات هيكلية أعمق؟
لماذا يتحول كل عطل إلى أزمة وطنية؟
تكشف الأزمة الحالية حجم الاعتماد الكبير على عدد محدود من المحطات والخطوط الناقلة، بحيث يؤدي تعطل أحدها إلى اضطرابات واسعة في الشبكة القومية.
كما أن سنوات الحرب أثقلت البنية التحتية للكهرباء، سواء عبر الاستهداف المباشر لبعض المنشآت، أو صعوبة توفير قطع الغيار، أو تراجع أعمال الصيانة الدورية نتيجة الظروف الأمنية والاقتصادية.
وفي مثل هذه الظروف تصبح الشبكة أقل قدرة على امتصاص الأعطال، فتتحول الحوادث الفنية إلى أزمات تمتد آثارها إلى ملايين المواطنين.
هل تكفي الصيانة وحدها؟
حتى إذا نجحت الفرق الفنية في إعادة تشغيل خطوط مروي خلال الأيام المقبلة، فإن الأزمة الحالية تطرح أسئلة تتجاوز إصلاح الكوابل المتضررة.
فالقطاع يحتاج إلى رفع جاهزية الشبكة، وتوفير مخزون استراتيجي من قطع الغيار، وتحديث أنظمة الحماية والمراقبة، وتقليل الاعتماد على عدد محدود من مصادر الإمداد، بما يسمح باستمرار الخدمة حتى عند خروج إحدى المحطات من الخدمة.
كما أن تعزيز برامج الصيانة الوقائية قد يكون أقل تكلفة بكثير من التعامل مع الأعطال الكبيرة بعد وقوعها.
غضب شعبي يتجاوز الأزمة الفنية
ردود الفعل لم تركز هذه المرة على انقطاع الكهرباء فقط، بل اتجهت نحو تحميل المسؤولية للإدارة العليا للقطاع.
وشهدت منصات التواصل الاجتماعي مطالبات واسعة بإقالة وزير الطاقة، وفتح تحقيق شفاف في أسباب حريق سد مروي، مع نشر نتائجه للرأي العام، خاصة في ظل تكرار الأعطال خلال الفترة الماضية.
ويرى كثير من المتابعين أن المواطن لم يعد يكتفي ببيانات الاعتذار، وإنما يريد إجابات واضحة حول أسباب تكرار الانقطاعات، وخطة زمنية لمعالجة جذور الأزمة.
كما أعادت الأزمة إلى الواجهة الدعوات القديمة لإعادة هيكلة قطاع الكهرباء.. وفي هذا السياق، دعا الكاتب الصحفي أ. عبد الماجد عبد الحميد إلى ما وصفه بـ”ثورة إدارية” تسبق أي إصلاح فني، مطالباً بإعادة عدد كبير من الكفاءات الفنية والإدارية والعمالية إلى مواقع العمل، باعتبار أن القطاع لا يحتمل استمرار نزيف الخبرات.
كما أثار استمرار بعض القيادات التنفيذية التي ارتبطت بـ (قحت) وبـ (لجنة إزالة التمكين) على رأس بعض القطاعات الحيوية في الكهرباء، نقاشاً جديداً حول تركيبة الإدارة الحالية، ومدى الحاجة إلى مراجعة شاملة للهياكل القيادية، لتجنيب هذا القطاع الخدمي الحيوي السقوط في فخ الكيد السياسي.
هذه المطالب تعكس اتجاهاً متزايداً يرى أن معالجة أزمة الكهرباء لا تبدأ فقط بشراء المعدات أو إصلاح الأعطال، وإنما أيضاً بإعادة بناء المنظومة الإدارية التي تدير هذا القطاع الحيوي.
اختبار جديد لوزارة الطاقة
تمثل أزمة مروي، وما أعقبها من حريق في بورتسودان، اختباراً جديداً لقدرة وزارة الطاقة على إدارة قطاع يعد من أكثر القطاعات ارتباطاً بالحياة اليومية للمواطنين.
فنجاح الوزارة لن يقاس فقط بسرعة إعادة التيار الكهربائي، وإنما أيضاً بمدى قدرتها على تقديم تفسير مقنع لأسباب تكرار هذه الحوادث، وإعلان برنامج إصلاح واضح يمنع تحول كل عطل فني إلى أزمة قومية.
وفي ظل الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد، يبدو أن استعادة ثقة المواطنين تتطلب أكثر من بيانات تطمين، إذ ترتبط بإصلاحات فنية وإدارية شاملة تضمن استقرار الإمداد الكهربائي، وتعيد بناء أحد أهم مرافق الدولة على أسس أكثر كفاءة وقدرة على مواجهة الأزمات.
إنضم الى احدى مجموعاتنا على الواتس



