أخبارأخبار االسودانتقارير

البرهان في أسمرا.. ماذا يبحث السودان في إريتريا؟

تقرير : الطابية

في توقيت إقليمي بالغ الحساسية، وصل رئيس مجلس السيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان، أمس الجمعة، إلى العاصمة الإريترية أسمرا في زيارة مفاجئة، التقى خلالها الرئيس أسياس أفورقي، لبحث العلاقات الثنائية والتنسيق بشأن القضايا الإقليمية، وفق ما أعلنته الرئاسة السودانية.
ورغم أن البيان الرسمي ركز على تعزيز التعاون بين البلدين، إلا أن توقيت الزيارة وسياقها الإقليمي يفتحان الباب أمام تساؤلات تتجاوز العلاقات الثنائية، خاصة في ظل استمرار الحرب في السودان، وتصاعد التوتر بين السودان وإثيوبيا، وتجدد الاتهامات الإثيوبية لكل من الخرطوم وأسمرا بالتدخل في الأوضاع داخل إقليم تيغراي.

إريتريا.. الحليف الإقليمي الأقرب

منذ اندلاع الحرب في السودان في أبريل 2023، حافظت إريتريا على علاقة وثيقة مع الحكومة السودانية، وابتعدت عن أي انفتاح على مليشيا الدعـ م السـ ريع.
وخلافاً لبعض القوى الإقليمية التي سعت إلى لعب دور الوسيط، فضلت أسمرا دعم مؤسسات الدولة السودانية، انطلاقاً من رؤيتها الرافضة لقيام جماعات مسلحة موازية للجيوش الوطنية، وهي سياسة تتوافق مع موقف الرئيس أسياس أفورقي المعروف بمعارضته للحركات المسلحة العابرة للحدود.
ولهذا، ينظر إلى إريتريا باعتبارها واحدة من أقرب الحلفاء الإقليميين للخرطوم خلال الحرب.

ماذا يبحث البرهان في أسمرا؟

تأتي الزيارة في وقت يحقق فيه الجيش السوداني تقدماً ميدانياً في عدة جبهات، بينما تتزايد التحركات الدبلوماسية الدولية لإنهاء الحرب.
وفي هذا السياق، تبدو أجندة الزيارة أوسع من مجرد العلاقات الثنائية، فهناك عدة ملفات يهم السودان بحثها مع إريتريا، أبرزها:
– تنسيق المواقف تجاه تطورات الحرب في السودان، خاصة مع وجود المبادرة الأمريكية لإنهاء الحرب التي رد السودان عليها بموافقة مشروطة، وفي هذا السياق متوقع أن تكون هناك تحركات أمريكية لحشد الدعم الإقليمي من أجل الضغط على السودان لتقديم تنازلات، وأسمرا جزء من محور الممانعة الذي يساند موقف السودان ورؤيته لإنهاء الحرب.. ولذلك تأتي هذه الزيارة من باب تعزيز التنسيق السياسي قبل أي ترتيبات إقليمية أو دولية جديدة تتعلق بالسودان.
– بحث التعاون الأمني والاستخباراتي في منطقة البحر الأحمر والحدود الشرقية، حيث يتفق البلدان على ضرورة التصدي للأطماع الإماراتية في سواحل البحر الأحمر، بجانب حاجة إريتريا إلى وجود حاجز أمني على حدودها الشرقية، ممثلاً في ولايات شرق السودان الثلاث، حيث سقوطها بأي شكل من الأشكال في يد الدعـ م السـ ريع يعني انفتاح الأراضي الإريترية على احتمالات تمدد تلك المليشيا التي ترعاها الإمارات وتستخدمها في تحقيق أطماعها في إريتريا نفسها.
– مناقشة التطورات في القرن الإفريقي، خاصة في ظل تصاعد التوترات بين إثيوبيا وجيرانها، حيث تتهم إديس أبابا كل من أسمرا والخرطوم بتقديم الدعم لجبهة تحرير تيغراي، وتحريضها على التمرد، وتتخذ ذلك ذريعة لأعمال معادية للبلدين، من قبيل تقديم الدعم لمليشيا الدعـ م السـ ريع وفتح أراضيها لاستخدامها منصات لانطلاق هجمات بالمسيرات على المدن السودانية وقواعد لهجمات برية.

علاقة الزيارة بإثيوبيا؟

يصعب فصل زيارة البرهان عن المناخ الإقليمي المتوتر،
فالعلاقات السودانية الإثيوبية تشهد منذ سنوات تباينات بسبب ملفات الحدود وسد النهضة، ثم جاءت الحرب السودانية لتضيف أبعاداً جديدة لهذا التوتر.
وفي المقابل، ترتبط إثيوبيا وإريتريا بتاريخ طويل من الصراع، ورغم توقيع اتفاق سلام بين البلدين عام 2018، فإن العلاقات لا تزال تتأثر بانعدام الثقة، خاصة بعد الحرب في إقليم تيغراي.
ولذلك، فإن أي تقارب سوداني – إريتري يحظى بمتابعة دقيقة في أديس أبابا.
خلال الأشهر الماضية، اتهمت أطراف إثيوبية السودان وإريتريا بالضلوع في تأجيج الصراع داخل إقليم تيغراي أو توفير بيئة داعمة لبعض الأطراف، وهي اتهامات لم تقدم بشأنها أدلة معلنة، كما نفتها الخرطوم وأسمرا في مناسبات مختلفة.
وعلى الرغم من عدم الإشارة رسمياً إلى هذه القضية في مباحثات البرهان وأفورقي، إلا أنه من المستبعد أن تكون التطورات الأمنية في القرن الأفريقي غابت عن النقاش، باعتبارها تؤثر بصورة مباشرة على أمن الدولتين.
ومن ثم، يمكن النظر إلى الزيارة باعتبارها جزءاً من مشاورات أوسع بشأن أمن الإقليم، وليس بالضرورة رداً مباشراً على الاتهامات الإثيوبية.

رسائل الزيارة

تحمل الزيارة عدة رسائل سياسية وإقليمية، من أبرزها:
أولاً: أن السودان يواصل تعزيز تحالفاته مع الدول التي دعمت مؤسسات الدولة خلال الحرب، وأن التنسيق بين الخرطوم وأسمرا ما زال قائماً في الملفات الأمنية والإقليمية.
ثانيًا: أن السودان يسعى إلى تأمين جبهته الشرقية في وقت تتواصل فيه العمليات العسكرية داخل البلاد.
ثالثًا: تأكيد الخرطوم على أن علاقاتها الخارجية لن تتأثر بالضغوط أو الاستقطابات الإقليمية.

بين الحرب والإقليم

تكشف زيارة البرهان إلى أسمرا أن الحرب في السودان لم تعد شأناً داخلياً فحسب، بل أصبحت مرتبطة بتوازنات القرن الأفريقي والبحر الأحمر. فكل تحرك دبلوماسي بين الخرطوم وجيرانها بات يحمل أبعاداً تتجاوز العلاقات الثنائية، ليمس ملفات الأمن الإقليمي والتحالفات السياسية.
ورغم أن البيان الرسمي قدم الزيارة في إطار تعزيز التعاون الأخوي، فإن توقيتها يشير إلى أنها تأتي ضمن جهود أوسع لإعادة ترتيب شبكة الحلفاء الإقليميين للسودان، في مرحلة تتداخل فيها التطورات العسكرية داخل البلاد مع حسابات الأمن في القرن الأفريقي.
كما تمنح الخرطوم فرصة لتنسيق المواقف مع دولة تمتلك تأثيراً في معادلات القرن الأفريقي والبحر الأحمر، وهما منطقتان أصبحتا جزءاً من التنافس الإقليمي والدولي المرتبط بالحرب السودانية.

إنضم الى احدى مجموعاتنا على الواتس

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى