أخبارأخبار االسودانتقارير

التضخم يعود للارتفاع.. قراءة سريعة في بيانات جهاز الإحصاء المركزي لشهر يونيو

تقرير : الطابية

عاد التضخم في السودان إلى الارتفاع مجدداً، بعدما سجل 51.28% خلال يونيو 2026 مقارنة بـ 44.50% في مايو، في زيادة تقارب سبع نقاط مئوية خلال شهر واحد، وفق بيانات الجهاز المركزي للإحصاء.
ورغم أن المعدل لا يزال أقل من المستويات القياسية التي سجلها السودان في سنوات سابقة، فإن اتجاهه الصاعد يبعث برسائل مقلقة بشأن أداء الاقتصاد، خاصة مع استمرار الحرب، وتراجع قيمة الجنيه، واتساع الضغوط على معيشة المواطنين.

الجنيه الضعيف يقود موجة الغلاء

يعكس ارتفاع التضخم استمرار فقدان الجنيه السوداني جزءاً من قيمته أمام العملات الأجنبية، وهو ما ينعكس مباشرة على أسعار السلع المستوردة ومدخلات الإنتاج والنقل.
ومع اعتماد السودان على الاستيراد في عدد كبير من السلع الأساسية، فإن أي تراجع في سعر الصرف ينتقل سريعاً إلى الأسواق، ليتحمله المستهلك في صورة ارتفاع متواصل للأسعار.
ويرى اقتصاديون أن التضخم الحالي ليس مجرد ظاهرة نقدية، بل نتيجة لتداخل عدة عوامل تشمل الحرب، وتعطل الإنتاج، وارتفاع تكاليف النقل، وضعف الإمدادات.

ماذا تكشف البيانات:

تكشف بيانات الجهاز المركزي للإحصاء، جوانب متعددة لأزمة التضخم وآثارها على المواطن السوداني، أهمها:

1- الغذاء يلتهم أكثر من نصف الدخل: إذ ينفق السودانيون 52.89% من دخولهم على الغذاء والمشروبات، فيما تذهب 14.17% للسكن والمياه والكهرباء والوقود، و8.34% للنقل.
وتعني هذه الأرقام أن أي زيادة في أسعار الغذاء أو الخدمات الأساسية تنعكس مباشرة على مستوى معيشة الأسر، خاصة مع تراجع الدخول وفقدان ملايين السودانيين مصادر رزقهم بسبب الحرب.

2- توسع الضغوط إلى التعليم والصحة: لم يقتصر التضخم على السلع الغذائية، إذ سجل قطاع التعليم أعلى معدل ارتفاع بلغ 184.81%، بينما ارتفعت تكاليف الصحة بنسبة 14.62%.
وتشير هذه المؤشرات إلى أن الضغوط الاقتصادية أصبحت تمتد إلى الخدمات الأساسية، ما يزيد الأعباء على الأسر التي تواجه بالفعل صعوبة في توفير الاحتياجات اليومية.
3 – وجود تفاوت بين الولايات: أظهرت البيانات اختلافاً واضحاً في معدلات التضخم بين الولايات. ففي حين سجلت ولايات مثل نهر النيل وشمال دارفور وجنوب كردفان تراجعاً في معدل التضخم، شهدت ولايات أخرى زيادات كبيرة، تصدرتها شمال كردفان بنسبة 29.09%، تلتها البحر الأحمر بنسبة 27.53%.
ويعكس هذا التفاوت اختلاف الظروف الأمنية، وتكاليف النقل، وتوفر السلع، ومستوى النشاط الاقتصادي من ولاية إلى أخرى.

ماذا تعني هذه الأرقام؟

ارتفاع التضخم بهذا المعدل يحمل عدة دلالات اقتصادية، أبرزها؛ استمرار الضغوط على سعر صرف الجنيه، وتراجع القوة الشرائية للمواطنين، واتساع معدلات الفقر مع تآكل الدخول الحقيقية، بجانب صعوبة استقرار الأسواق في ظل الحرب، وزيادة تكلفة الإنتاج والاستيراد.
كما تشير الأرقام إلى أن الاقتصاد السوداني لا يزال يواجه تحديات هيكلية تتجاوز المعالجات النقدية وحدها، في ظل تعطل قطاعات الإنتاج الرئيسية.
والسؤال الذي يطرح نفسه هو؛ هل تتجه الأسعار إلى مزيد من الارتفاع؟.. الجواب أن مسار التضخم خلال الأشهر المقبلة يرتبط بعدة عوامل، أهمها استقرار سعر الصرف، وتحسن الإنتاج الزراعي، وتوافر الوقود والسلع الأساسية، إضافة إلى تطورات الحرب.
فإذا استمرت الضغوط على الجنيه وتزايد الطلب على العملات الأجنبية، فقد تواصل الأسعار ارتفاعها، بينما قد يسهم تحسن الإنتاج واستقرار الإمدادات في تخفيف وتيرة التضخم.

اختبار صعب للاقتصاد

تكشف بيانات يونيو أن الاقتصاد السوداني يمر باختبار صعب تحت وطأة الحرب وتداعياتها. فارتفاع التضخم ليس مجرد رقم إحصائي، بل مؤشر على تراجع القوة الشرائية، واتساع الضغوط المعيشية، واستمرار الاختلالات في الأسواق.
ومع اعتماد غالبية الأسر على دخل محدود، فإن احتواء التضخم يحتاج إلى حلول ذكية تتعلق بقدرة الدولة على تحقيق استقرار سعر الصرف، وتحفيز الإنتاج، وتأمين انسياب السلع، وهي تحديات يجب على المخطط الاقتصادي التعامل معها فيظل الحرب والأوضاع الاقتصادية في البلاد.

إنضم الى احدى مجموعاتنا على الواتس

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى