لا تسمحوا للعطش بأن يهزم الأبيض

أحمد غباشي
لم تعد معركة مدينة الأبيض تقتصر على صد الهجمات العسكرية أو مواجهة الطائرات المسيّرة التي تستهدف البنية التحتية، بل أصبحت معركة للحفاظ على الحد الأدنى من مقومات الحياة. فبعد استهداف محطات الكهرباء، دخلت المدينة في أزمة مياه خانقة تهدد بتحويل المعاناة اليومية إلى كارثة صحية وإنسانية، وهو ما يجعل التدخل العاجل من الحكومة المركزية ضرورة وطنية لا تحتمل التأجيل.
إن أخطر ما في استهداف الكهرباء ليس الظلام في حد ذاته، وإنما ما يترتب عليه من توقف محطات ضخ المياه وتعطل الخدمات الصحية وتراجع قدرة المواطنين على الحصول على المياه الصالحة للشرب. وفي المدن المحاصرة، لا يؤدي شح المياه إلى العطش فقط، بل يفتح الباب أمام انتشار الأوبئة والأمراض المنقولة بالمياه، ويضع الأطفال وكبار السن والمرضى في مواجهة خطر مضاعف.
لقد أثبتت تجارب الحروب الحديثة أن السكان يستطيعون الصمود أمام القصف لفترات طويلة، ويمكنهم التكيف مع انقطاع الكهرباء ونقص كثير من السلع، لكن أزمة المياه تظل العامل الأكثر خطورة في دفع المدنيين إلى مغادرة مدنهم. فعندما يصبح الحصول على مياه الشرب رحلة يومية شاقة، أو عندما تنتشر الأمراض بسبب تلوث مصادر المياه، تتحول الهجرة من خيار إلى ضرورة للبقاء.
ولهذا، فإن حماية الأبيض اليوم لا تكون بالسلاح وحده، وإنما أيضاً بحماية حق سكانها في الماء والعلاج والخدمات الأساسية. فاستمرار الحياة داخل المدينة يمثل في حد ذاته إفشالاً لأي استراتيجية تقوم على إنهاك المدنيين ودفعهم إلى النزوح عبر استهداف البنية التحتية.
ومن هنا، فإن مسؤولية الحكومة المركزية تتجاوز إصدار بيانات الإدانة أو الوعود بإصلاح الأضرار، إلى تبني خطة طوارئ متكاملة لدعم المدينة. وتشمل هذه الخطة إرسال مولدات كهرباء كبيرة لتشغيل محطات المياه والمرافق الصحية، وتوفير الوقود بصورة مستمرة، وحفر آبار إسعافية، وإنشاء محطات تنقية متنقلة، وتأمين صهاريج لنقل المياه إلى الأحياء الأكثر تضرراً، إلى جانب توفير الأدوية والمحاليل والمستلزمات الطبية اللازمة لمواجهة أي تفشٍ للأمراض.
كما ينبغي أن تكون إعادة تأهيل البنية التحتية أولوية وطنية، مع توفير فرق فنية تعمل على مدار الساعة لإصلاح الأعطال الناجمة عن الاستهداف، وتقليل الزمن الفاصل بين وقوع الهجوم وعودة الخدمات، لأن سرعة الاستجابة تقلل من الأثر الإنساني والنفسي للهجمات، وتحرم منفذيها من تحقيق أهدافهم.
وليس المطلوب من الحكومة وحدها؛ فالمجتمع الدولي والمنظمات الإنسانية مطالبون أيضاً بتكثيف دعمهم للمدينة، باعتبار أن توفير المياه والرعاية الصحية للمدنيين التزام إنساني لا يجوز أن يخضع لحسابات الحرب.
لقد أثبت سكان الأبيض، طوال أكثر من عامين من الحصار والهجمات، قدرة لافتة على الصمود والتكيف، ولم تنجح الضربات التي استهدفت الكهرباء والمستشفيات والأسواق في كسر إرادتهم. غير أن استمرار أزمة المياه دون تدخل سريع قد يخلق واقعاً جديداً أكثر قسوة، لأن الأوبئة والعطش لا يقلان خطراً عن القذائف والطائرات المسيّرة.
إن الدفاع عن الأبيض اليوم يبدأ من الحفاظ على حياة سكانها. وإذا كانت المدينة قد نجحت حتى الآن في إفشال محاولات إنهاكها عسكرياً، فإن نجاحها في مواصلة الصمود يتوقف إلى حد كبير على قدرة الدولة على تأمين المياه والخدمات الأساسية. فالمعركة لم تعد فقط معركة دفاع عن مدينة، بل معركة دفاع عن الإنسان وحقه في البقاء على أرضه، وهي معركة لا يجوز أن تُترك لسكان الأبيض وحدهم.
إنضم الى احدى مجموعاتنا على الواتس


