
تقرير: الطابية
لم يعد انحسار مياه النيل في ولاية الخرطوم مجرد تغير طبيعي في منسوب النهر، بل تحول إلى أزمة خدمية ألقت بظلالها على إمدادات مياه الشرب لمئات الآلاف من السكان، بعد أن تأثرت محطات رئيسية بالتراجع الحاد في مناسيب المياه وازدياد الإطماء حول مآخذ الضخ.
وبينما دفعت الأزمة حكومة الولاية إلى إعلان خطة طوارئ شملت إزالة الطمي وإعادة تموضع المضخات وحفر آبار جوفية، يبرز سؤال جوهري: هل ما يحدث مجرد ظاهرة موسمية عابرة، أم مؤشر على تحديات مائية أكبر تتطلب حلولاً استراتيجية؟
انحسار غير مسبوق:
أظهرت صور الأقمار الصناعية الأوروبية (Sentinel-2) تقلصاً واضحاً في المجرى المائي للنيل خلال شهر واحد فقط، مع ظهور مساحات كانت مغمورة بالمياه، خاصة بالقرب من محطة مياه الصالحة، الأمر الذي أدى إلى ابتعاد المياه عن مضخات السحب وخروج المحطة عن الخدمة.
ولم تقتصر الأزمة على محطة الصالحة، إذ تأثرت كذلك محطة مياه بحري شمال بمنطقة النية، حيث اضطر العاملون إلى تنفيذ عمليات متواصلة لإزالة الإطماء وفتح مجرى جديد يسمح بوصول المياه إلى المضخات.
لماذا انحسر النيل؟
رغم انتشار تكهنات متعددة على وسائل التواصل الاجتماعي، فإن المعطيات الفنية تشير إلى مجموعة من العوامل المتداخلة، أهمها:
– التغيرات الموسمية التي تسبق وصول فيضان النيل الأزرق.
– تراكم كميات كبيرة من الطمي أمام مآخذ محطات المياه.
– تغير مسار التيار الرئيسي للنهر بعيداً عن مواقع المضخات.
– احتمالات ارتباط المناسيب ببرامج تشغيل وإدارة الخزانات، وهو ما دفع حكومة الولاية إلى المطالبة بتنسيق مباشر مع وزارة الري لتفادي أي تغيرات مفاجئة.
ولا توجد حتى الآن مؤشرات رسمية تؤكد وجود سبب استثنائي أو انهيار دائم في موارد النيل، لكن الأزمة كشفت هشاشة البنية الفنية لمحطات المياه أمام أي تغير محدود في المناسيب.
التأثير المباشر على المواطنين
انعكس الانخفاض سريعاً على خدمات المياه، خصوصاً في جنوب أم درمان وبعض مناطق بحري، حيث أصبحت ساعات الإمداد أقل، واضطر السكان للاعتماد على الصهاريج أو تخزين المياه.
ومع استمرار الأزمة، تزداد المخاوف من اتساع رقعة المناطق المتأثرة، وارتفاع تكلفة الحصول على مياه الشرب، بالإضافة إلى زيادة احتمالات انتشار الأمراض المرتبطة بنقص المياه، خاصة في ظل ارتفاع درجات الحرارة.
وتكتسب هذه المخاوف أهمية أكبر في ولاية ما زالت تعاني آثار الحرب، وما صاحبها من تدمير للبنية التحتية ونقص في خدمات الكهرباء والمياه.
كيف تعاملت حكومة الولاية؟
أعلنت حكومة الخرطوم خطة طوارئ تضمنت مسارين؛ الأول إسعافي والثاني طويل الأجل.
فعلى المستوى العاجل، دفعت الولاية بالحفارات والآليات لإزالة الإطماء على مدار الساعة، مع تسيير صهاريج لتوفير المياه للمناطق المتضررة، والعمل على إعادة تشغيل المحطات خلال فترة وجيزة.
أما على المستوى الاستراتيجي، فقد وجه الوالي بإعادة تموضع المضخات في مناطق أعمق داخل مجرى النهر، إلى جانب حفر بئرين جوفيتين عاليتي الإنتاجية ليكونا مصدراً احتياطياً عند الطوارئ، فضلاً عن تعزيز التنسيق مع وزارة الري بشأن إدارة مناسيب النيل.
هل تكفي هذه المعالجات؟
تبدو الإجراءات الحالية ضرورية لاحتواء الأزمة، لكنها تعالج آثار المشكلة أكثر من أسبابها.
فإزالة الطمي تعيد تشغيل المحطات مؤقتاً، لكنها لا تمنع تكرار الأزمة مع أي انخفاض جديد في المناسيب، كما أن تشغيل الصهاريج يمثل حلاً إسعافياً لا يمكن الاعتماد عليه لفترات طويلة.
ويرى مختصون أن ضمان استقرار الإمداد المائي يتطلب تحديث مآخذ محطات المياه، وتصميمها بما يسمح بالعمل في مختلف مستويات النهر، مع إنشاء مصادر بديلة للمياه تشمل الآبار والخزانات وشبكات احتياطية تقلل الاعتماد الكامل على النيل.
اختبار للبنية التحتية
تكشف أزمة انحسار النيل أن التحدي لا يتمثل في انخفاض المناسيب وحده، بل في مدى قدرة البنية التحتية على التكيف مع المتغيرات الطبيعية.
فحتى لو عادت مناسيب النهر إلى الارتفاع مع موسم الفيضان، فإن تكرار الأزمة مستقبلاً يظل احتمالاً قائماً ما لم تُنفذ حلول هندسية دائمة ترفع كفاءة محطات المياه وتزيد مرونتها.
وفي ظل الضغوط التي فرضتها الحرب على الخدمات الأساسية، تبدو معالجة هذا الملف أولوية تتجاوز الاستجابة الطارئة، لتصبح جزءاً من خطة أشمل لإعادة تأهيل قطاع المياه وضمان أمن مائي أكثر استقراراً لسكان ولاية الخرطوم.
إنضم الى احدى مجموعاتنا على الواتس



