
تقرير: الطابية
في وقت يعاني فيه الاقتصاد السوداني من انكماش حاد وفقدان للسيطرة على أدوات السياسة النقدية، اشتعلت حرب تصريحات بين اثنين من أهم مكونات القطاع الخاص، مما يكشف عن أزمة أعمق تتعلق ببنية الاقتصاد الكلي وطبيعة الصراع بين الإنتاج المحلي والاستيراد.
فقد رفضت الغرفة القومية للمستوردين، الثلاثاء، اتهامات أطلقها اتحاد الغرف الصناعية بوجود “تلاعب” في فواتير الاستيراد، واصفة إياها بأنها “غير صحيحة” و”غير مسؤولة”. ودخل الطرفان في سجال حاد يعكس تخبط السياسات الاقتصادية وصراع المصالح في بلد مزقته الحرب .
تهريب مقنن أم استيراد الظل؟!
يتمحور الخلاف حول اتهام اتحاد الغرف الصناعية لبعض المستوردين بإدخال بضائع بقيمة 100 مليار جنيه مقابل فواتير لا تتجاوز قيمتها 10 مليارات جنيه، في إشارة إلى ما يعرف بـ”التهريب المقنن” عبر التلاعب بقيمة الفواتير لتقليل الرسوم الجمركية.
نفى رئيس الغرفة القومية للمستوردين، الصادق جلال الدين صالح، بشكل قاطع ما وصفها بالادعاءات، موضحاً أن “الجمارك السودانية لا تعتمد على الفواتير المقدمة من المستوردين وحدها، وإنما تطبق سياسة ‘القيمة التقديرية’ عبر قواعد بيانات معتمدة تحدد القيمة الجمركية لكل سلعة”.
وفي تطور لافت، رمى جلال الدين الكرة في ملعب الطرف الآخر، متهماً جهات لم يسمها بإدارة ما وصفه بـ”استيراد الظل”. ويعني به ذلك النمط من الاستيراد الذي يعتمد على التلاعب والتهرُّب الجمركي بشتى السبل، في مقابل الاستيراد الملتزم بالالتزامات الجمركية كما هي.. وقال إن هذا النوع من الاستيراد “تديره عصابات إجرامية تهدد الاقتصاد السوداني”، مشيراً إلى أن الغرفة سبق أن قدمت أوراقاً علمية لكشف هذه الممارسات.
طالب الصادق جلال الدين أجهزة الدولة بالتحقيق في الاتهامات ومحاسبة أي جهة يثبت تورطها
هذا الاتهام يفتح الباب أمام سيناريو أكثر تعقيداً من مجرد التلاعب بالفواتير، حيث يلمح إلى وجود شبكات منظمة تعمل خارج إطار القنوات الرسمية وتستفيد من حالة الفوضى التي تعيشها البلاد.
جذور الأزمة تتجاوز التصريحات
بعيداً عن تبادل الاتهامات، يكشف التحليل الاقتصادي أن المعركة بين الطرفين ليست سوى عرض لأزمة هيكلية عميقة.
يشير تقرير حديث إلى أن السودان يعاني من “اقتصاد ثنائي المسار”؛ مسار رسمي تتحكم فيه الحكومة بأسعار لا تعكس الواقع، وآخر موازٍ تحكمه قوى السوق الحقيقية. وقد اتسعت الفجوة بين السعر الرسمي للدولار الجمركي وسعر الدولار في السوق الموازي بشكل خطير، حيث قفز الأخير ليتراوح بين (4150 – 4300) جنيه، بينما تم رفع سعر الدولار الجمركي في آخر تحديث، يوم 11 مايو الجاري من 3,222 جنيه إلى 3,395 جنيه للدولار الواحد.
. هذه الفجوة تخلق حافزاً قوياً للمتعاملين لتجنب القنوات الرسمية واللجوء إلى الاقتصاد غير الرسمي، مما يوسع دائرة “اقتصاد الظل” الذي يحذر منه الطرفان.
بجانب الاقتصاد الثنائي، تبرز مشكلة الضعف الهيكلي في الإنتاج المحلي، الذي أدى إلى اعتماد السودان الكبير على الاستيراد.. وهي مشكلة تفاقمت بفعل الحرب.
ووفقاً لتقارير دولية، انكمش الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنسبة 29.4% في عام 2023 وبـ14% إضافية في عام 2024، وهو أحد أشد الانكماشات الاقتصادية في التاريخ الحديث. في ظل انهيار الإنتاج، يصبح الاستيراد هو المنفذ الوحيد لتلبية احتياجات السوق، مما يمنح المستوردين نفوذاً كبيراً ويجعل أي محاولة لحظر السلع أو تقييدها قضية خلافية.
الاعتماد على الجباية خلل أم وضع طبيعي؟
ينتقد المحللون السياسات القائمة على “الجباية دون إنتاج”، محذرين من أنها تؤدي إلى نتائج عكسية وفقاً لمنحنى “لافر” الاقتصادي، حيث يؤدي رفع الرسوم والضرائب فوق حد معين إلى تناقص الإيرادات الكلية وتشجيع التهريب.
بينما يرد جلال الدين على اتهامات اعتماد الدولة على الرسوم الجمركية كدليل على الفشل الاقتصادي، بقوله إن “الإيرادات الجمركية تُعد من أهم مصادر تمويل الموازنات العامة في مختلف دول العالم”. وفي هذا السياق يرفض المستوردون قرار حظر بعض السلع، معتبرين أنه “لا يخدم الاقتصاد الوطني”.
لكن جلال الدين كشف عن مفارقة خطيرة، متمثلة في ارتفاع إيرادات رسوم الإنتاج على الواردات بنسبة 1400% في عام 2025 مقارنة بالصناعة المحلية. هذا الرقم لا يعكس قوة الجباية، بل يؤكد أن الدولة أصبحت تعتمد بشكل غير صحي على استنزاف المستورد والمواطن لتعويض عجزها المالي، بدلاً من بناء قاعدة إنتاجية.
“نظام ACD”: وجع جديد يلوح في الأفق
في خضم هذا السجال، لم تخلُ الساحة من أزمة جديدة تخص نظام الإقرار المسبق للشحنات (ACD) الذي أقرت الجمارك تطبيقه من ديسمبر من العام الماضي. فقد حذر المستوردون من أن هذا النظام قد يمنح جهات خارجية إمكانية الوصول إلى كامل بيانات الواردات السودانية، مما يمثل “تهديداً مباشراً للأمن الاقتصادي السوداني”. واعتبروا أن فرض رسوم جديدة بالدولار مقابل هذه الخدمة يمثل عبئاً إضافياً سيدفع المواطن ثمنه في النهاية.
يبدو الخلاف بين الغرفتين الصناعية والتجارية أقرب إلى صراع على كراسي على سطح سفينة مهددة بالغرق.. فبينما يتبادل الطرفان الاتهامات حول التلاعب والتهريب، تستمر إشكالات الاقتصاد السوداني في التفاقم تحت وطأة الحرب، واتساع رقعة الفقر المدقع التي ارتفعت من 23% إلى 59% من السكان بين عامي 2022 و2024 .
هذا الصراع بين قطاعين مهمين في الاقتصاد السوداني يستدعي تدخل الدولة بسياسات حازمة وواضحة، ولابد للدولة، رغم إنهاكها الاقتصادي، أن تعمل على ضبط إيقاع الاقتصاد الكلي، بشكل حازم، يمنع انزلاقه إلى انقسامات خطيرة وصراعات بين قطاعات المهمة.
إنضم الى احدى مجموعاتنا على الواتس


