
تقرير: الطابية
كثافة الهجمات بالطائرات المسيّرة التي شنتها المليشيا على مدينة الأبيض متجاوزةً الأهداف العسكرية إلى الأهداف المدنية والخدمية وضرب والبُنى التحتية، بصورة لافتة، لتشمل محطات الكهرباء والمياه والمستشفيات والأسواق والمؤسسات الحكومية، تثير تساؤلات حول طبيعة الاستراتيجية التي تتبعها مليشيا الدعـ م السـ ريع، وما إذا كانت تسعى إلى تحويل المدينة إلى بيئة طاردة للسكان، عبر استهداف مقومات الحياة الأساسية.
ويأتي هذا التصعيد بينما تواصل المليشيا فرض حصار بري على المدينة منذ أكثر من عامين، في وقت أعرب فيه مجلس الأمن الدولي عن قلقه البالغ من هجمات المسيّرات والحشود العسكرية حول الأبيض، محذراً من خطر وقوع فظائع جماعية، ومطالباً بوقف الهجمات وحماية المدنيين والالتزام بالقانون الدولي الإنساني.
استهداف شريان الحياة
في مارس الماضي تعرضت محطة كهرباء “أم دباكر” بالنيل الابيض وخطوط الإمداد التابعة لها—التي تربط النيل الأبيض بولايات كردفان—لاستهداف متكرر بالطائرات
ولكن الهجوم على محطة كهرباء الأبيض الرئيسية يوم الخميس الماضي، أدى إلى خروجها عن الخدمة وانقطاع تام للتيار الكهربائي عن كامل المدينة.
ولم يكن انقطاع الكهرباء مجرد أزمة خدمية، بل وُصف بأنه استهداف مباشر لـ”شريان الحياة”، إذ أدى إلى تعطل محطات المياه والمرافق الصحية والاتصالات والأنشطة التجارية، لتتسع دائرة التأثير إلى مختلف مناحي الحياة اليومية.
الماء… السلاح الآخر
ولم تتوقف الهجمات عند الكهرباء، بل امتدت إلى مصادر المياه، حيث تعرضت محطة مياه بارا وسد البخيت للاستهداف، في وقت تعتمد فيه آلاف الأسر على هذه المنشآت للحصول على مياه الشرب.
ويمثل استهداف المياه أحد أخطر أنماط الحرب الحديثة، إذ لا يؤدي فقط إلى تعطيش السكان، بل يفاقم الأوضاع الصحية ويرفع احتمالات انتشار الأمراض، خصوصاً في ظل الحصار وصعوبة وصول الإمدادات.
ويعيد هذا المشهد إلى الأذهان ما حدث في مدينة الفاشر، حيث تعرضت محطات وآبار المياه للاستهداف المتكرر، بما أدى إلى تعميق الأزمة الإنسانية ودفع أعداد من السكان إلى النزوح.
المستشفيات… خارج الخدمة
القطاع الصحي لم يسلم هو الآخر من الهجمات.
فقبل أشهر تعرض مستشفى الأبيض التعليمي، أكبر مستشفى في شمال كردفان، لهجومين منفصلين بالطائرات المسيّرة، أسفر أحدهما عن مقتل شخصين، فيما أدى الثاني، الذي استهدف قسم الطوارئ، إلى مقتل تسعة أشخاص وإصابة أكثر من عشرين آخرين.
وأكد مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) أن المستشفى يعمل حالياً بطاقة استيعابية محدودة للغاية، الأمر الذي يهدد حياة آلاف المرضى والمصابين، خاصة مع صعوبة الإجلاء الطبي بسبب الحصار.
تعطيل مؤسسات الدولة.
بينما أكدت شبكة أطباء السودان أن القصف الجوي الأخير الذي استهدف محطة الكهرباء الرئيسية وبعض محطات الوقود تسبب في خروج عدد من المرافق الطبية عن الخدمة، وفي مقدمتها مراكز غسيل الكلى وأقسام الطوارئ.
وامتدت الهجمات إلى مقر الإدارة القانونية بوزارة العدل بمدينة الأبيض، في خطوة يرى مراقبون أنها تستهدف إضعاف قدرة مؤسسات الدولة على تقديم الخدمات للمواطنين.
كما دفعت الأسواق والأحياء السكنية ثمناً باهظاً، إذ وثقت تقارير مقتل أكثر من 76 مدنياً وإصابة المئات خلال شهري أبريل ومايو، فيما أشارت مصادر طبية إلى أن نسبة كبيرة من الإصابات كانت خطيرة، خاصة في الرأس والبطن.
أي نوع من الحروب؟
ما يجري في الأبيض يتجاوز مفهوم المواجهة العسكرية التقليدية. فاستهداف الكهرباء والمياه والمستشفيات والمؤسسات الحكومية يندرج ضمن ما يعرف عسكرياً بـ”حرب البنية التحتية”، وهي استراتيجية تقوم على شل الخدمات الأساسية التي يعتمد عليها المدنيون، بما يجعل استمرار الحياة اليومية أكثر صعوبة.
وفي الوقت نفسه، تحمل هذه الهجمات سمات “حرب الاستنزاف ضد المدنيين”، حيث يصبح السكان أنفسهم الهدف غير المباشر عبر حرمانهم من الخدمات الأساسية، وإثقال حياتهم بأزمات متلاحقة تدفعهم تدريجياً إلى الرحيل.
كما تشكل هذه الضربات جزءاً من الحرب النفسية، إذ تؤدي إلى نشر الخوف وانعدام اليقين، وتحول كل مرفق خدمي إلى هدف محتمل، بما يخلق شعوراً دائماً بعدم الأمان.
المليشيا تريد إفراغ الأبيض من سكانها؟.. هكذا تقول قراءة نمط الاستهداف.
فعندما تتعرض الكهرباء والمياه والمستشفيات والأسواق والمؤسسات الحكومية للقصف بصورة متكررة، تكون النتيجة العملية واحدة، وهي تقويض مقومات الحياة المدنية ودفع السكان إلى البحث عن أماكن أكثر أمناً تتوافر فيها الخدمات الأساسية.
ويرى خبراء في القانون الدولي الإنساني أن الاستهداف الممنهج للأعيان المدنية، إذا أدى إلى حرمان السكان من احتياجاتهم الأساسية أو إرغامهم على النزوح، قد يدخل ضمن الممارسات التي يحظرها القانون الدولي الإنساني.
وتعزز هذه القراءة حقيقة أن الهجمات الجوية تتزامن مع حصار بري مستمر منذ أكثر من عامين، بما يزيد من صعوبة وصول الغذاء والدواء والوقود وإصلاح المرافق المتضررة.
هل نجحت استراتيجية المليشيا؟
حتى الآن، تشير الوقائع إلى أن هذه الهجمات، رغم قسوتها، لم تحقق هدفها في كسر إرادة سكان الأبيض أو إفراغ المدينة من أهلها.
فعلى امتداد أكثر من عامين من الحصار، واصل السكان التكيف مع الظروف القاسية عبر مبادرات مجتمعية لتوفير المياه، وتشغيل بعض المرافق بوسائل بديلة، والحفاظ على الحد الأدنى من النشاط الاقتصادي والخدمي.
كما واصلت مؤسسات الدولة أداء وظائفها الأساسية بقدرات محدودة، بينما حافظ الجيش على سيطرته على المدينة، وهو ما حال دون انهيار الإدارة المدنية أو توقف الخدمات بشكل كامل.
ويرى مراقبون أن تمسك المواطنين بالبقاء يعود إلى إدراكهم أن النزوح لا يعني بالضرورة نهاية المعاناة، فضلاً عن المكانة الاقتصادية والاستراتيجية التي تمثلها الأبيض بالنسبة لسكان إقليم كردفان.
كيف يمكن إفشال هذه الاستراتيجية؟
يرى خبراء عسكريون وإنسانيون أن مواجهة هذا النوع من الحروب لا تعتمد على الرد العسكري وحده، وإنما على تعزيز قدرة المدينة على الصمود.
ويبدأ ذلك بتوفير حماية أكبر للبنية التحتية الحيوية، ولا سيما محطات الكهرباء والمياه والمستشفيات، مع تعزيز وسائل الإنذار المبكر والدفاع ضد الطائرات المسيّرة.
كما تمثل سرعة إعادة الخدمات بعد كل هجوم عاملاً حاسماً، لأن تقليص مدة انقطاع الكهرباء أو المياه يقلل من الأثر النفسي والإنساني للهجمات، ويحرم منفذيها من تحقيق أهدافهم.
ويؤكد مختصون أهمية إنشاء بدائل للطوارئ، مثل مولدات احتياطية وأنظمة الطاقة الشمسية، ومحطات مياه متنقلة ومستشفيات ميدانية، إلى جانب دعم اللجان المجتمعية التي لعبت دوراً مهماً في الحفاظ على الحد الأدنى من الخدمات.
ولا يقل عن ذلك أهمية توثيق الهجمات على المنشآت المدنية ورفعها إلى الآليات الدولية المختصة، بما يعزز فرص المساءلة القانونية ويزيد الضغوط الدولية لحماية المدنيين.
معركة تتجاوز الميدان
تكشف هجمات المسيّرات على الأبيض أن الحرب في السودان لم تعد تقتصر على السيطرة على الأرض، بل امتدت إلى استهداف قدرة المدن على البقاء نفسها. فحين تصبح الكهرباء والمياه والمستشفيات أهدافاً عسكرية، تتحول حياة المدنيين إلى ساحة مواجهة مفتوحة.
ورغم الخسائر الكبيرة، لا تزال الأبيض تقدم نموذجاً لمدينة تحترف الصمود في وجه حصار متعدد الأبعاد؛ عسكري وخدمي ونفسي. ولذلك، فإن المعركة الدائرة اليوم ليست فقط معركة للسيطرة على مدينة، بل معركة على إرادة سكانها، وعلى قدرة الدولة والمجتمع على الحفاظ على الحد الأدنى من الحياة في مواجهة حرب تستهدف الإنسان قبل الحجر.
إنضم الى احدى مجموعاتنا على الواتس



