
أحمد غباشي
مشاركة شخصيات محسوبة على المعسكر المساند للدولة السودانية، مثل مبارك أردول ومحمد أحمد سيد الجاكومي في مؤتمر برلين الفاشل، رغم وضوح طبيعة الأجندة التآمرية، فتح باب التساؤلات حول العقلية التي تتعاطى بها بعض القوى السياسية مع سجالات المعركة الوجودية الشاملة التي يخوضها السودان، وصولاً التساؤل حول طبيعة هذا الحضور؛ هل هو تكتيك سياسي أم انزلاق نحو موقف رمادي ملتبس؟.. وهل الحجج التي ألقى بها الرجلان تكفي لتبرير تلك المشاركة وما تلاها من مواقف، أسماها أردول توافق على رؤية بين القوى المدنية، ومضى يتغنى بها كإنجاز غير مسبوق والحرب تدخل عامها الرابع!.
من حيث المبدأ، لم يكن الاعتراض على مؤتمر برلين اعتراضًا تقنيًا أو إجرائيًا، بل كان اعتراضًا سياديًا في جوهره. فالمؤتمر انعقد دون تنسيق مع الحكومة السودانية، بل وتجاوزها تمامًا، الأمر الذي دفع قطاعات واسعة من السودانيين—داخل البلاد وخارجها—إلى اعتباره منصة لفرض رؤى خارجية على مستقبل السودان. عفوياً، تم التعبير عن هذا الرفض في اعتصام مئات السودانيين أمام مقر الخارجية الألمانية، في مشهد يعكس فجوة الثقة بين الشارع وهذه الفعاليات الدولية.
في هذا السياق، جاءت مشاركة مبارك أردول لتثير مفارقة واضحة. ففي تصريحاته عقب المؤتمر، قدم الرجل رواية تفاؤلية، تغنَّى فيها بـ “المشاركة الفاعلة”، و”التوافق على نداء مشترك”، و”عملية سياسية ذات ملكية سودانية”، مع التركيز على إنهاء الحرب وإغاثة البلاد وإعادة الإعمار. غير أن هذه اللغة، رغم بريقها، بدت للكثيرين أقرب إلى الخطاب الأجوف الفضفاض، الذي لا يلامس جوهر الأزمة السودانية، ولا يحدد المسؤوليات بوضوح.
النقد الأبرز الذي وُجه إلى هذا “النداء المشترك” تمثل في كونه—كما وصفه الصحفي عبد الماجد عبد الحميد—مجرد تجميع لنقاط عامة ومكررة، لا تقدم جديدًا حقيقيًا، ولا تقترب من لب المشكلة، أي تحديد الأطراف التي أشعلت الحرب ودعمتها. فالحديث عن “حماية المدنيين” و”العدالة الانتقالية” و”العملية السياسية” يظل بلا قيمة تُذكر إذا لم يُقرن بتسمية الفاعلين الأساسيين في الصراع، وعلى رأسهم المليشيا ومن يقفون خلفها إقليميًا ودوليًا.
هنا تحديدًا تتعمق الإشكالية: كيف يمكن لقوى تعلن دعمها للدولة السودانية في مواجهة المليشيا، أن تشارك في منصة وضح جلياً أنها محاولة لإعادة تدوير حلفاء المليشيا سياسيًا؟ هذه المفارقة هي التي دفعت بعض المراقبين إلى وصف موقف أردول بأنه “لعب على الحبلين”، أو على الأقل محاولة للإبقاء على قنوات مفتوحة مع جميع الأطراف، حتى تلك التي تتناقض مع خطابه المعلن.
أما محمد أحمد سيد الجاكومي، فقد بدا موقفه أكثر ترددًا وارتباكًا. فالرجل أعلن فشل المؤتمر، وكشف عن انسحاب وفد تنسيقيته احتجاجًا على ما وصفه بـ”التلاعب” في تمثيل الوفود، خاصة منح تحالف “صمود” خمسة مقاعد مقابل رفض منحهم العدد نفسه. كما أقر بعدم الثقة في مخرجات الاجتماع، وعدم الاطلاع على نسخته النهائية.
غير أن هذا الموقف، رغم حدته، لا يعفي الجاكومي من النقد. إذ إن مجرد المشاركة في مؤتمر محل نزاع سيادي، ثم الانسحاب بسبب خلاف إجرائي (عدد المقاعد)، يطرح تساؤلًا مشروعًا: هل كانت المشكلة في طبيعة المؤتمر نفسه، أم في تفاصيل التمثيل داخله؟ بعبارة أخرى، هل الاعتراض مبدئي أم تفاوضي؟
كيف لم ينتبه كلٌ من أردول والجاكومي، اللذان ينطلقان—نظريًا—من موقف رافض للمليشيا وحلفائها المدنيين، ومنهم مجموعة “صمود”،إلى ما تعنيه المشاركة في مؤتمر يتيح لهذه المجموعة مساحة أكبر، بل ويمنحها شرعية تمثيلية؟! إن هذا الموقف يضعهما في موقع متناقض مع خطابهما السياسي. وهو تناقض لا يمكن تبريره بسهولة بالحديث عن “الانفتاح” أو “الحوار”، خاصة في ظل حرب دامية لم تُحسم بعد.
السؤال الجوهري هنا: هل نحن أمام تحول حقيقي في مواقف هذه القيادات، أم مجرد مناورة سياسية؟ الاحتمال الأول يعني أن هناك إعادة تموضع نحو منطقة وسطى، تسعى للتوفيق بين دعم الدولة والانخراط في مسارات دولية مشبوهة.. وإذا أحسنا الظن ورجحنا الاحتمال الثاني، وقبلنا أن المشاركة كانت تكتيكًا لعدم الغياب عن المشهد الدولي، مع محاولة التأثير من الداخل، فهو عين الطيش السياسي، لأن الكلفة السياسية عالية. فالرأي العام، الذي يرى في هذه المؤتمرات امتدادًا لأجندات خارجية، لن يميز كثيرًا بين “المشاركة التكتيكية” و”التماهي السياسي”. كما أن غياب خطاب واضح يحدد المسؤوليات ويضع خطوطًا حمراء، يعزز الانطباع بأن بعض القوى بدأت تميل إلى “إمساك العصا من المنتصف”، وهي وضعية غالبًا ما تكون غير مستقرة في لحظات الصراع الحاد.
في المحصلة، لا تبدو مشاركة أردول والجاكومي في مؤتمر برلين مجرد حدث عابر، بل مؤشر على أزمة أعمق داخل لدى بعض القوى السياسية الداعمة للدولة السودانية.. أزمة تتعلق بتحديد الأولويات، ورسم حدود التعامل مع الخارج، وتعريف “العملية السياسية” نفسها. فإما أن تكون هذه العملية امتدادًا لإرادة وطنية واضحة، أو تتحول إلى مظلة لإعادة إنتاج التوازنات التي قادت إلى الحرب أصلاً.
وبين هذين الخيارين، يبدو أن بعض الفاعلين اختاروا السير في المنطقة الرمادية—حيث تختلط النوايا بالتكتيكات، والمواقف بالمصالح—وهي منطقة قد توفر هامش حركة مؤقت، لكنها نادرًا ما تصمد أمام اختبار الوقائع.
إنضم الى احدى مجموعاتنا على الواتس



