تقاريرسياسة

مؤتمر برلين.. إصرار غربي مستفز على تجاهل السيادة السودانية

 

تقرير: الطابية

أعاد مؤتمر برلين بشأن السودان، الذي انعقد اليوم برعاية ألمانية وبمشاركة غربية سافرة، الجدل حول حدود الدور الدولي في الأزمة السودانية، وسط انتقادات رسمية وشعبية وحزبية اعتبرته تجاوزاً صريحاً لسيادة البلاد ومحاولة لإعادة تشكيل المشهد السياسي من الخارج.
وانعقد المؤتمر بتنظيم مشترك من ألمانيا، والولايات المتحدة، والمملكة المتحدة، وفرنسا، إلى جانب الاتحاد الأوروبي والاتحاد الأفريقي، بمشاركة أكثر من 60 دولة ولفيف من المنظمات الدولية، بجانب بعض القوى السياسية السودانية المتماهية مع الرؤية الغربية للسودان، وأبرزها تحالف القوى المدنية (صمود) بزعامة رئيس الوزراء السابق في حكومة قحت عبد الله حمدوك.
الهدف المعلن للمؤتمر تمثل في حشد المساعدات الإنسانية ودعم جهود السلام، ليكون الثالث من نوعه بعد مؤتمري باريس ولندن.
غير أن أبرز ما طغى على أعمال المؤتمر كان الغياب الكامل لأصحاب الشأن، حيث لم تُدعَ الحكومة السودانية ولا ممثلو الجيش، كما غابت مليشييا الدعـ م السـ ريع، ما أثار تساؤلات حول جدوى أي مخرجات تُناقش الأزمة دون حضور الفاعلين المباشرين.
وأسفر المؤتمر عن تعهدات دولية بتقديم مساعدات إنسانية تتجاوز 1.3 مليار يورو، في وقت تتفاقم فيه الأزمة الإنسانية داخل السودان، إلا أن هذا الجانب لم يحجب حدة الانتقادات الموجهة لطبيعة المؤتمر ومنهجيته.

رفض رسمي وتحفظات حادة

في موقف حاسم، أعلنت الحكومة السودانية رفضها للمؤتمر، مؤكدة أنه عُقد دون أي تشاور معها أو مع مؤسساتها الرسمية. واعتبرت وزارة الخارجية أن ما جرى يمثل “تدخلاً غير مقبول” في الشأن الداخلي، مشددة على أن أي محاولة لتجاوز الدولة السودانية أو المساواة بينها وبين “مليشيا إرهابية” تقوض أسس الأمن الإقليمي والدولي.
من جهته، قال رئيس الوزراء، كامل إدريس، إن المؤتمر “لا يعني حكومة وشعب السودان في شيء”، معتبراً أن غياب الحكومة “خطأ فادح” من شأنه أن يقود إلى فشل مخرجاته. وأكد أن الحكومة كانت ستشارك لو وُجهت إليها الدعوة، لعرض الحقائق من منظورها الرسمي، مجدداً انفتاح الخرطوم على أي جهود حقيقية تحقق السلام، ولكن دون فرض حلول من الخارج.

رفض سياسي داخلي وخارجي واسع

بالتوازي، أعلنت 25 حزباً وقوى سياسية ومدنية رفضها للمؤتمر، مشيرة إلى “اختلال معايير اختيار المشاركين” وغياب الشفافية، إلى جانب ما وصفته بانتقائية في توجيه الدعوات أدت إلى تمثيل “طاغٍ” لقوى متماهية مع الدعم السريع، مقابل إقصاء قوى وطنية داعمة لمؤسسات الدولة.
ويعكس هذا الرفض، وفق مراقبين، حالة تحفز داخلي متزايدة، تغذيها آليات التمثيل الخارجي التي باتت محل شك لدى قطاعات واسعة من الفاعلين السياسيين.
كما شهدت العاصمة الألمانية برلين احتشادات ضخمة للمتظاهرين السودانيين المقيمين بأوروبا، الذين توافدوا للاحتشاد أمام مقر المؤتمر للتعبير عن رفضهم لنهج الوصايا الغربية وتجاهل السيادة السودانية الذي تمارسه الدول المنظمة للمؤتمر، للتأكيد على اصطفاف السودانيين خلف جيشهم في المعركة الوجودية.

ولع أوروبي بتبني حمدوك بديلا مدنيا

ومن جهته لفت مستشار رئيس مجلس السيادة الدكتور أمجد فريد الطيب إلى أن الجدل لا يقتصر على استبعاد الحكومة، بل يمتد إلى آلية الدعوات نفسها، حيث تثار تساؤلات حول المعايير المعتمدة في اختيار الشخصيات والكيانات، بما قد يمنح بعض الأطراف شرعية تفاضلية على حساب أخرى.
ويرى الطيب أن بعض العواصم الغربية تتعامل مع شخصيات سودانية محددة باعتبارها “البديل المدني المقبول”، في محاولة لإعادة تشكيل التمثيل السياسي وفق اعتبارات خارجية لا تعكس التوازنات الداخلية.
وأشار إلى وجود مؤشرات على إعادة تقديم مجموعة عبد الله حمدوك كعنوان مدني رئيسي، في سياق ما وصفه بـ”التأهيل الرمزي” داخل الفضاء الأوروبي، محذراً من أن هذا النهج قد يؤدي إلى اختزال المشهد السوداني في طرف واحد، وتهميش بقية الفاعلين.
وأكد أن مجمل هذه الترتيبات تعكس سعياً لإعادة رسم الخارطة السياسية السودانية وفق معايير دولية تتجاوز التفويض الشعبي، ما قد يعيد إنتاج الفاعلين السياسيين بناءً على مدى توافقهم مع الرؤى الخارجية، لا وفق وزنهم الحقيقي داخل البلاد.

سيادة غائبة ومخرجات محل شك

في المحصلة، يضع مؤتمر برلين نفسه في قلب التعقيدات السابقة التي أدت إلى فشل المؤتمرات السابقة التي تبنت نفس النهج، نعني بذلك تحدي الإرادة السودانية.. ليتحول في نهاية الأمر إلى منصة خطابية بائسة، ثم تعهدات مالية لتبيض وجه المنظمين وتقنعنا بسلامة سعيهم وصحة طويتهم..
سواء كانت هناك جدية في الإيفاء بهذه التعهدات إيصالها لمستحقيها، أم لا، فإنه من المؤكد أن الملابسات وردود الفعل السودانية أكدت بشكل حاسم رفض أي مقاربة تتجاوز الدولة الوطنية أو تعيد تعريف تمثيلها من الخارج وأن أي مسار لا ينطلق من الداخل، ولا يعترف بسيادة الدولة، لن يفضي إلى سلام مستدام، بل قد يعمّق الأزمة ويعيد إنتاجها في صور جديدة.

إنضم الى احدى مجموعاتنا على الواتس

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى