تقاريرسياسة

أزمة الرؤية الغربية لحرب السودان..قراءة في تصريحات وزيرة بريطانية ومسؤول أمريكي

 

تحليل سياسي: أحمد غباشي

أعادت التصريحات الأخيرة الصادرة عن وزيرة الخارجية البريطانية إيفيت كوبر والمبعوث الأميركي لإفريقيا، أمس السبت خلال مؤتمر ميونخ للأمن، تسليط الضوء على التدويل المتزايد للحرب في السودان، خاصة مع تأكيد المسؤولين الغربيين أن أكثر من اثنتي عشرة دولة تشارك في تدفق الأسلحة إلى أطراف الصراع.
غير أن الأهمية الحقيقية لهذه التصريحات لا تكمن فقط في اعترافها بتدويل الحرب، بل في أزمة الرؤية الكامنة في الإطار المفاهيمي الذي تستخدمه لوصف هذه الحرب!..وهو إطار يساوي ضمنيًا بين القوات المسلحة السودانية باعتبارها المؤسسة العسكرية الرسمية للدولة، ومليشيا الدعـ ـم السـ ـريع باعتبارها فاعلًا مسلحًا غير حكومي.
ينطلق هذا التحليل من فرضية أساسية مفادها أن جوهر الأزمة في السودان لا يتمثل في نزاع متكافئ بين طرفين، بل في تمرد مسلح ضد الدولة. وعليه، فإن إعادة تعريف الصراع ضمن إطار “النزاع بين طرفين”، الذي ظلت أوروبا وأمريكا تستخدمه منذ اندلاع التمرد في السودان في 15 أبريل 2023م، يمثل سياقاً سياسيًا ومعرفيًا له آثار عميقة على شرعية الدولة، ومسار الحرب، وإمكانية استعادة الاستقرار.

حق الدولة في احتكار العنف المشروع:

يعرّف عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر الدولة بأنها “الكيان الذي يحتكر الاستخدام المشروع للعنف داخل إقليم معين”، يمثل هذا التعريف حجر الأساس للنظام الدولي الحديث. فالدولة ليست مجرد فاعل عسكري بين فاعلين، بل هي الإطار القانوني الذي يحدد شرعية استخدام القوة.
في هذا السياق، من وجهة نظر العلوم السياسية، تمثل القوات المسلحة السودانية الامتداد المؤسسي للدولة السودانية، وتمارس وظيفتها ضمن إطار السيادة المعترف بها دوليًا. في المقابل، تمثل مليشيا الدعـ ـم السـ ـريع تشكيلًا مسلحًا خارج التسلسل العسكري الرسمي للدولة، يمارس العنف خارج إطار الاحتكار السيادي المشروع.
بناءً على هذا التمييز، فإن الصراع لا يمثل مواجهة بين كيانين سياديين، بل يمثل تحديًا لاحتكار الدولة للعنف، أي تمردًا مسلحًا بالمعنى النظري والقانوني.

مصطلح “الطرفين”.. وإعادة إنتاج التكافؤ السياسي

تعكس التصريحات الغربية نمطًا متكررًا في إدارة النزاعات الدولية، يتمثل في استخدام مصطلح طرفي الصراع، أو”الطرفين” (Both sides)، وهو مصطلح يبدو محايدًا ظاهريًا، لكنه يؤدي وظيفيًا إلى إعادة تعريف العلاقة بين الدولة والفاعل المتمرد. في أدبيات تحليل النزاعات، يُعرف هذا النمط بـإطار التكافؤ الوظيفي (Functional equivalence framing)، حيث يتم التعامل مع الدولة والمتمرد باعتبارهما وحدتين متكافئتين ضمن نظام نزاع، بدلًا من علاقة عمودية بين سلطة سيادية وتحدٍ متمرد.
تتمثل النتيجة الأساسية لهذا الإطار في تحويل الدولة من كيان سيادي يحتكر العنف المشروع إلى طرف من أطراف نزاع متعدد!!..هذا التحول ليس مجرد توصيف لغوي، بل يمثل إعادة بناء للواقع السياسي ضمن إطار مختلف.

الشرعية القانونية مقابل الشرعية الواقعية

يمكن فهم الخطاب الدولي تجاه السودان من خلال التمييز بين نوعين من أنواع الشرعية:
الأول (الشرعية القانونية): تمثلها الدولة السودانية، حيث تمتلك عبر مؤسساتها الرسمية، الاعتراف الدولي الكامل، وتمثل السودان في المنظمات الدولية، بما في ذلك الأمم المتحدة.
الثاني: الشرعية الواقعية: وتنشأ هذه الشرعية من السيطرة الفعلية على الأرض والقدرة العسكرية، بغض النظر عن الاعتراف القانوني.
مع استمرار الحرب، اكتسبت المليشيا شكلًا من أشكال الشرعية الواقعية، نتيجة سيطرتها على مناطق واسعة وقدرتها على الاستمرار العسكري.. وفي كثير من الحالات، تميل القوى الدولية إلى التعامل مع الشرعية الواقعية كحقيقة سياسية، حتى في غياب الشرعية القانونية.

تدويل الصراع بسبب خطاب التكافوء وما ينجم عنه من آثار:

تشير تصريحات كوبر إلى تورط أكثر من اثنتي عشرة دولة في تدفق الأسلحة إلى السودان. يمثل هذا مؤشرًا واضحًا على تحول الصراع من نزاع داخلي بين الدولة وتمرد مسلح، إلى صراع دولي غير مباشر (Proxy war)، وفي هذا السياق، تصبح الأطراف المحلية وكلاء لمصالح خارجية أوسع، مما يؤدي إلى إطالة أمد الحرب، وتعقيد الحل السياسي، ومن ثم تقويض قدرة الدولة على استعادة احتكار القوة!!.. وتشير أدبيات العلاقات الدولية إلى أن تدويل الحروب الأهلية يمثل أحد أهم العوامل التي تمنع حسمها.
لخطاب التكافوء بين الدولة والمتمرد، انعكاسات على سيادة الدولة، حيث يؤدي إلى عدة نتائج استراتيجية:
1. إعادة تشكيل مفهوم السيادة؛ حيث تصبح السيادة مفهومًا متنازعًا عليه، بدل أن تكون إطارًا قانونيًا واضحًا.
2. تآكل احتكار الدولة للعنف؛ عندما يتم التعامل مع المتمرد كفاعل مكافئ، يتم تقويض المبدأ الأساسي الذي تقوم عليه الدولة الحديثة.
3. تعزيز الشرعية السياسية للمتمردين؛ فالاعتراف الضمني بالمتمرد كطرف تفاوضي مكافئ يمنحه مكانة سياسية لم تكن متاحة له سابقًا.
4. إطالة أمد الصراع؛ فحصول المتمردين على الدعم الخارجي، سواء المباشر أو غير المباشر، على قدم المساواة مع الجيش الوطني الرسمي، يحافظ على تكافؤ القوة على الأرض، وبالتالي، النتيجة التي ظل الساسة الغربيين يطنطنون طيلة فترة الحرب في السودان، وهي اعتقاد المتحاربين بالقدرة على حسم الصراع عسكرياً، دون اللجوء إلى التفاوض.
تكشف تصريحات المسؤولين؛ البريطانية والأمريكي، عن حقيقة مزدوجة.. فهي من ناحية، اعتراف متزايد بتدويل الحرب في السودان، ومن ناحية أخرى، استمرار استخدام إطار تحليلي يعيد تعريف الصراع باعتباره نزاعًا بين طرفين متكافئين.
غير أن التحليل المستند إلى نظرية الدولة الحديثة يوضح أن جوهر الأزمة يتمثل في “تحدي احتكار الدولة للعنف المشروع”، وليس مجرد نزاع بين فاعلين متكافئين.
إن فهم هذا التمييز ليس مجرد مسألة نظرية، بل يمثل شرطًا أساسيًا لتطوير استجابة دولية قادرة على معالجة جذور الأزمة، بدل الاكتفاء بإدارة مظاهرها. ففي نهاية المطاف، يعتمد استقرار السودان على استعادة الدولة لاحتكارها المشروع لاستخدام القوة، وهو المبدأ الذي يشكل الأساس البنيوي للنظام السياسي الحديث.

إنضم الى احدى مجموعاتنا على الواتس

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى