استطلاعحوارات وتحقيقاتمجتمع

زيادة مرتبات المعلمين: خيبة أمل كبيرة ..أم خطوة في الطريق؟!

استطلاع: منال صديق
رغما التغيير الذي حدث في سدة الحكم، أطاح بحكومة الإنقاذ، نتيجة لتدهور الأوضاع المعيشية للسودانين لاسيما المعلمين.. ورغم أن الحكومة الجديدة قامت بتعديل مرتبات المعلمين، فلا زالت الأوضاع المعيشية في السودان تشهد ارتفاعاً حاداً في أسعار السلع الأساسية، وكل يوم تزاد الحالة سوءا, وتزايد صعوبات المرحلة التي تمر بها البلاد.
وفي سبيل تعديل مرتبات المعلمين نفذ معلمو ولاية الخرطوم إضراباً عن العمل بجميع المدارس الثانوية ومدارس الأساس بالولاية احتجاجاً على ضعف المرتبات والبدلات والعلاوات التي أعلنتها الدولة.. وبعد جهود مضنية بذلتها لجنة تسييرية معلمي الخرطوم ووزارة التربية بالولاية، تم الإعلان عن زيادات في مرتبات المعلمين بولاية الخرطوم، وتم صرفها مطلع هذا الشهر.. ولكن هل الزيادات في الرواتب التي أعلنتها الحكومة قربت المسافة ما بين الدخل والاحتياجات؟ّ!.. أم أن المسافة لا تزال لا تزال بعيدة بين الحاجات والدخول؟!..
في المساحة التالية أجرت (الطابية) استطلاعا واسعا حول الزيادات التي تمت في المرتبات.. وكيف استقبلها المعلمون؟!.. هل كانت مرضية؟ أم مخيبة للآمال؟!

 

استطلاع: منال صديق محمد.

 

معلمة: الدولة أهانت المعلم .. والزيادة لاتسمن ولاتغني من جوع

زيادة مخجلة:
في بداية جولة (الطابية) على بعض المدارس بولاية الخرطوم التقينا بالأستاذة بثينة فضل الله المولى أستاذة بالدرجة الرابعه بمدرسة الشعبية جنوب للبنات مرحلة الأساس بالخرطوم بحري حيث أبتدرت حديثها قائلة: ” لا أعتبرها زيادة، لأن ما تم من زيادة “لايسمن ولايغني من جوع”, وتقول بأن مرتبها زاد سبعه آلاف جنيه من 19 ألفاً صار 26 الف جنيه، ولاتكفي للمواصلات!!.. وأضافت أنها تسدين من زوجها وتستحي، من أخذ أجرة المواصلات لكي تصل إلى عملها!!.. وطالبت الأستاذة بثينة الدولة بأن تكون واضحه: “ماعندهم قروش تخبرنا بالحقيقة” وتابعت “أنها تعمل حتى تملا وقتها وعمل دنيا تمشي به للآخرة, وأضافت “إن الدولة لم تكرم المعلم بل أهانته” مؤكدة وأنها لا تعمل من أجل المكافأة المالية، وقالت “لو كنا نعمل من أجل ذلك فأفضل لنا أن نجلس بالبيت”, وأضافت “لكننا نعمل من أجل الرسالة التربوية وخدمة لبنات بلدنا” مؤكدة أن معظم زميلاتها من المعلمات تركن التدريس واتجهن لسبل كسب أخرى.. وختمت حديثا قائلة ” لولا أن زوجها وضعه كويس لتركت هي الأخرى التدريس لأنها تستدين من زوجها ولكنها لاتستطيع الاستدانة من شخص غريب”.

مديرة مدرسة بنات: مهنتا رسالية ننسى معانتنا بمجرد قرع الجرس

مهنة رسالية:
كما التقينا بمديرة مدرسة بنات لمرحلة الأساس ببري بالخرطوم، وهي استاذة بالدرجة الأولى، فضلت عدم ذكر أسمها، حيث تحدثت إلينا قائلة: “إن مهنة التعليم هي مهنة الرسل، ورغما عن أهمية المال في تيسير أمور الحياة فصحيح نحن أصحاب حق ويجب على الدولة أن توفينا حقنا بالصورة التي تعيننا في حياتنا .. ولكننا لا نعمل من أجل لذلك، ولهذا السبب لم تشارك مدرستها في الإضراب مثل المدارس الآخري.. ووصفت الزيادة التي تمت في مرتب هذا الشهر بأنها ليست ذات قيمة وغير مجدية!!.. موضحاً أن مرتبها زاد 13 الف جنيه فقط، رغم أنها تحمل شهادة الدكتوراه، علاوة الدكتوراة 2 الف جنيه، وعلاوة الماجستير ألف جنيه!!.. وتقول مديرة مدرسة الأساس إنها علمت مدة 36 سنة، ومعها دبلوم المرحلة متوسطة، ولكن مرتبها لايكفيها فهي تسكن في منزل بالإيجار منذ 25 سنة، وهو عبارة عن غرفة وصالة، تعيش فيها مع زوجها وأبنائها، ولاتفكر في غير الأكل والشرب والعلاج!!.. وتعيش في أمان كما تقول.. ولاتفكر في تاسيس منزل لأنه ليس في مقدروهم، تفوض أمرها على الله.. وتابعت مديرة مدرسة الاساس أنها تحاول أن تسد الفجوة بالتعاون بالتدريس في كلية جامعية.. وتشتغل حصص إضافية حتى تعدل به وضعها، كما تقول، وتتساءل كيف يمكن لأصحاب المواد الفرعية أن يجدو فرصة للتدريس الخاص حتى يعدلو من وضعهم؟!.. لأن الشغل الأضافي يتوفر فقط لأساتذة المواد الأساسية كالرضيات والإنجليزي, وتضيف “أن المعلم هو الكل في الكل، و70% من موظفي الدولة هم المعلمين، ومن يجلسون في السلطة الآن بدءا من الرئيس إلى النائب إلى الوزير، وصلوا لمناصبهم بفضل المعلم!!.. وينبغي أن يؤدوا حق فضله عليهم، ويكرموه.. أبسط حاجة بتعديل وضعه بصورة تليق بما قدمه لهم ولأبنائهم وللبلد عامة..
وتقول بأن ما تعيشه من معاناة تشاركه فيها كل زميلاتها من المعلمات معها بالمدرسة، ورغما عن ما بهم من هموم، فإن مجرد قرع الجرس كفيل بأن يجعلهنا نترك همومنا ومعانتنا جانبا!!.. وعندما نأخذ الطبشيرة وندخل الفصل ننسى كل شي..
وختمت مديرة المدرسة حديثها لـ (الطابية) قائلة: “نحن نريد من الدولة أن توفينا حقنا بما يوفر لنا الحياة الكريمة.. لكننا لن نلجأ إلى الإضراب، فالتلميذ لا ذنب له وحتى لايتكرر ما حدث في العام الدراسي السابق.. سنؤدي رسالتنا التربوية ولانريد أن نحبط بناتنا الطالبات، فنحن في بداية عام دراسي جديد ونفوض أمرنا الى الله.. وتضيف رغم أنها قد عرضت عليها وزارة التربية والتعليم بالولاية العمل بمكاتب الوزارة ولكنها رفضتها إيمانا منها بدورها الرسالي. وتقول إن لديها خبرات من الممكن أن تستفيد منها زميلاتها من المعلمات وتعطيها لهن كجرعات صغيرة من المعرفة خاصة في ظل غياب التدريب والتاهيل، وتؤكد من الأفضل لي أن أعطي من أن أذهب للوزارة ويتوقف دوري عند التوقيع على الورق.

أستاذة: أرقنا ماء وجهنا بتسولنا من البيوت المجاورة للمدرسة

تزمر وضيق:
أما الأستاذة سارة أحمد بمدرسة الأساس بالشعبية جنوب للبنات بالخرطوم بحري، وهي أستاذة بالدرجة الثانية فهي الأخرى متذمرة من الزيادة التي تمت بداية شهر سبتمبر كمعالجة لمرتبات المعلمين بولاية الخرطوم.. وتقول: “مرتبي زاد ثمانية آلاف جنيه فقط، كان 28 ألفاً فأصبح 36 الف جنيه” وتؤكد أن المرتب وبعد هذه الزيادة لايكفيها أكثر من عشرة أيام!.. وبعد ذلك تأخذ من مصروف بيتها حتى تدرس بنات الناس، على حسب قولها.. تزيد الأستاذه سارة في حديثها لـ (الطابية): “مرتبي لايكفي فطوراً، ولا مواصلات، حتى ماء الشرب نشتريه من مرتبنا، فالمدرسة تفقتقد لكل المقومات والمعينات التي تساعدنا على أداء رسالتننا، من غير أن نقتطع من رواتبنا التي لا تكفينا أكثر من أسبوع!!.. وتضيف أنهن كثيرا ما يلجأن للبيوت المجاورة للمدرسة، لطلب (الثلج)!!.. وتقول “إن هذا الأمر أراق ماء وجوهنا.. وكل هذا بسبب المهنة التي أبتلينا بها!”.. وطالبت الأستاذة بمدرسة الأساس بالشعبية الدولة بضرورة مراعاة وتقدير موقف المعلم والعمل على راحته، حتى يتمكن، في المقابل، من أداء ما هو مطلوب منه على الوجه الأكمل، لأن المعلم ينتج أهم مورد..وهو الإنسان!!.
وقالت الاستاذة سارة بأنها كثيرا ما تفكر في ترك مهنة التدريس وتتفرغ لتربية أبنائها وتلحق بالكثير من زميلاتها اللائي تركن التدريس.

جدول يوضع استحقاق العلاوات والبدلات للعاملين بالدولة 

أما (م,ع) أستاذة بالدرجة الأولى بمدرسة الشعبية، التقتها الطابية، فقد وصفت الزيادة بأنها ضعيفة، وقالت إنها تساوي 15 ألف جنيه تستهلكها في المواصلات للحضور للمدرسة، وتكلفة رطلين لبن (12 ألف جنيه في الشهر)!!.. وتساءلت قائلة “من أين أكمل باقي أحتيجاتي الآخرى من لحم وخضار وسكر؟! وأين أجرة المنزل؟!.. مهما جازفنا لا يغطي!! ناهيك عما إذا دخلت أشياء أخرى من مرض أو غيره !!..وأضافت أن الزيادة فيها ظلم أذا ما تمت مقارنتها بالموظفات ممن هم معنا في نفس الدرجة بموسسات الدولة الآخرى غير التعليم!!.. فـ (بدل اللبس) عندنا 2 ألف جنيه،لايكفي لشراء طرحة، في حين أن الموظفة بوزارة المالية ثوبين توتل سويسري!!.. وطالبت بضرورة مساواتهم كمعلمين بزملائهم بنفس الدرجة ممن هم بالموسسات العامة.

أما الأستاذ محمد المصطفى بمدرسة معاذ بن جبل بالشعبية بحري، وهو أستاذ بالدرجة الخامسة، هو الآخر يطالب بالمساواة بالدرجات الوظيفية للعاملين بالدولة في الموسسات العامة غير التعليم فيما يتعلق بالبدلات، ” باستثناء ماهو متعلقة بطبيعة المهنة كبدل خطورة المهنة (ماعندنا فيها مشكلة)، ولكن ماعدا ذلك يجب مساواتنا بهم، فاذا أعطى من هم في نفس درجتي بديلاً نقدياً خمسة آلاف جنيه، فالمفروض أن تعطينا الدولة مثله !!.. العلاوة الاجتماعية مفروض يكون بها مساواة، ولكن نحن كمعلمين علاوتنا الاجتماعية فقط 150 جنيهاً!!.. وإذا لم تستطيع الدولة أن ترتفع بنا إلى مستواهم، فلتنزل بهم إلى مستوانا، فإما أن تعطينا مثلهم أو تظلمهم مثلنا.. فالمساوة في الظلم عدالة”!!.

 

أستاذ بمرحلة الأساس: نكمل الشهر (مجابدة) ومجازفة وبمعونة المغتربين

ويتحدث الاستاذ محمد المصطفى عن معاناته بسبب ضعف المرتب والظروف المعيشية الصعبة وغلاء الاسعار قائلا: “مرتبي وبعد الزيادة لايكفيني أكثر من عشرة أيام!!.. ويوضح أنه يكمل باقي الشهر بمساعدة إخوته له ممن هم بالاغتراب.. ويقول إنه “أحيانا يدخل السوق” وبالمجازفات والمجابدة يكمل بقية الشهر!!.. وطالب بوضع دراسة لتحديد بها الحد الأدنى للأجور والأعلى، ومدخل الخدمة، وبناء على ذلك يتم وضع مرتب مجزي وكافي، وقال إنهم يأملون بنهاية هذه السنة أن يتم التعديل.

وضع مؤلم:
أما الأستاذة هالة يوسف محمد عبد الوهاب بمدرسة خديجة بنت خويلد بالدروشاب شمال ببحري وهي أستاذة بالدرجة الثامنة فتقول تقول إن مرتبها لايكفيها للوصول للمدرسة طيلة أيام الشهر، فقط يكفي لمدة 12 يوماً، خاصة أنها تعمل بمدرسة لا تمر بها مواصلات عامة، فتضطر لركوب ركشة ذهاباً وأياباً!!.. وطالبت الأستاذة هالة الدولة بضرورة أن تنظر في أمر المعلم والوضع المؤلم الذي يعيشه.. وإذا تم تعديل يجب أن يكون بالصورة التي تليق بالمعلم وبرسالته التي يؤديها على أكمل وجه رغما عن معاناته في حياته.

مشرف تربوي: الزيادة قيمة اعتبارية لحقوق كانت ناقصة

خطوة اعتبارية:
وفي ختام جولة (الطابية) التقينا بالدكتور محمد حامدنو البشير، مشرف تربوي بالمجلس القومي لرعاية الموهوبين، وأستاذ بمدارس الموهوبين بأم درمان، حيث ابتدر حديثه لـ (الطابية)قائلا: “في ظل الظروف الاقتصادية التي نعيشها، أي زيادة لا تكافئ تكلفة الحياة اليومية لاتساوى شيئا, وقال أن ماحدث من زيادة لمرتب المعلم هو مجرد إزالة تشوهات لعلاوات وبدلات كان المعلم يستحقها تتراوح مابين 6-15 ألف جنيه.. ولكن يمكن القول بأن ماحصل يُعد (خطوة في الاتجاه الصحيح).. فبحسب وعود الدولة، فإن الميزانية للعام 2022م ستكون بها زيادات لكل مرتبات العاملين بالدولة، لأن الوضع الوظيفي للرواتب في الخدمة المدنية والعسكرية بائس جدا، ولايوفر حياة أسبوع لأصغر أسرة.. وبالنسبة للمعلم في الدرجة الأولى فمرتبه لايكفي مصروف واحد من أبنائه بالجامعة ناهيك عن مستلزمات أسرته الآخرى!!..
وختم المشرف التربوي حديثه (للطابية) قائلا” ماحدث من زيادة لاتساوي شئيا مقارنة بأسعار السلع وحتى الخدمات، ولكن يمكن النظر إليها كقيمة اعتبارية لحقوق كانت ناقصة، ونبراساً نأمل أن يأتي بخير كبير في الميزانية القادمة.

إنضم الى احدى مجموعاتنا على الواتس

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى