أستاذ الدراسات الاستراتيجية أ.د علي عيسى للطابية: هذا ما أتوقعه من الحاضنة السياسية الجديدة للحكومة
التطبيع خصم أخلاقيا من السودان الذي استجاب لابتزاز ترامب وتهافت الإمارات

حاوره: حسن عبد الحميد
تحفل الساحة السياسية محليا وإقليميا وعالميا بالعديد من الأحداث التي تحتاج إلى إلقاء الضوء عليها وسبر أغوارها وقراءة اتجاهاتها وآثارها علينا، وفي هذه السانحة جلسنا إلى الدكتور علي عيسى أستاذ الدراسات الاستراتيجية بمعهد الدراسات والبحوث الاستراتيجية بجامعة امدرمان الإسلامية وطرحنا عليه جملة من الأسئلة تمثل هموم الواقع المحلي والإقليمي والعالمي، فأجاب عليها إجابة الخبير المقتدر، فخرجنا منه بالحصيلة التالية:
هذا ما أتوقعه من إدارة بايدن، وهذا هو مصير أموالنا التي دفعناها لترامب.
• نبدأ أولا بالانتخابات الأمريكية ونجاح بايدن وصعود

الديمقراطيين مرة أخرى وعودتهم إلى البيت الأبيض وأثر ذلك على السودان والمنطقة؟
ــ الديمقراطيون معروفون تاريخيا أنهم يمثلون الحمائم على مستوى السياسة الأمريكية،وليست فيهم الغطرسة والعنجهية التي تميز بها الجمهوريون، ولو طبقنا هذا المقياس على ريغان وبوش الأب والابن، وهم جمهوريون، نجدهم يختلفون عن كارتر وكلنتون وأوباما، وهم من الديمقراطيين، فالبعد الإمبريالي بسيط لدى الديمقراطيين، لذلك يأتون بردا وسلاما على العالم وعلى السودان، وأيضا رأينا أوباما خطا خطوات جيدة مع السودان، لأنه رفع الحصار الاقتصادي، ومهد لرفع اسم السودان من الدول الراعية للإرهاب، والديمقراطيون يدعمون حقوق الإنسان والسلام العالمي، وهذا ظاهر، وحتى المكون الداعم لانتصارهم في الانتخابات يتمثل في الأقليات، سواء إسلامية أو من أمريكا اللاتينية، لذلك يحسون بالآخر، وذلك سينعكس على السودان، وعهد بايدن سيركز على المصالح المشتركة، خلافا للابتزاز الذي مارسه ترامب على مستوى العالم وليس على مستوى السودان وحسب، لذلك اعتقد أن فترة بايدن ستكون بردا وسلاما على العالم.
• هذا يقودنا إلى السؤال عن مصير الأموال التي دفعها السودان في عهد ترامب تعويضا لضحايا المدمرة كول وسفارتي الولايات المتحدة في نيروبي ودار السلام.
ــ الأموال التي دفعت بما أنها سلمت لإدارة ترامب، فإنه سيتصرف فيها بصورة أو بأخرى بما يخص المستهدفين والضحايا سواء ضحايا المدمرة كول أو ضحايا سفارتي الولايات المتحدة في نيروبي ودار السلام، فالأموال سلمت باسمهم، وسيتصرف ترامب وفقا لذلك، رغم أن المحاكم لم تلزم السودان بهذه الاستحقاقات.
• نسأل سياسيا.. هل ستمضي الخطوات إلى الكونغرس وتتخذ خطوات إيجابية تجاه السودان أم أن الأمر سيتجمد، وبعد تغير ساكن البيت الأبيض ما أثر ذلك على قرار الكونغرس؟
ــ مجلس الشيوخ الأمريكي الغالبية فيه ما زالت للجمهوريين، لكن مجلس النواب الغالبية فيه للديمقراطيين، وسيكون الموقف غالبا هو ما اتخذه ترامب من إحالة الملف إلى الكونغرس ليبت فيه.
• هل متوقع من ترامب أن يصدر قرارات في آخر أيامه كما فعل أوباما الذي أصدر في آخر أيامه قرارا لصالح السودان؟
ــ أصلا لآخر لحظة من حق الرئيس الأمريكي أن يصدر قرارات، فمن المتوقع وفقا لذلك أن يصدر ترامب قرارات في آخر دورته.
• ما هي الاستراتيجية التي تحكم حكومة الفترة الانتقالية في السودان؟
ــ نجد أن تكوين الحكومة الانتقالية تكوين متناقض، ففيها القوميون، والشيوعيون، واللبراليون، وعساكر، ووفقا لهذا المكون فإن استراتيجيتها غير واضحة، فاللبراليون يقودون الحكومة نحو الغرب، والشيوعيون لهم موقف مناهض للغرب، والقوميون لهم مواقف أخرى، لذلك الاستراتيجية التي تحكم علاقاتنا الخارجية غير واضحة، ففي المحور الإقليمي هناك تناقضات واضحة، مثلا نجد الإمارات تقودنا نحو التطبيع مع العدو الصهيوني، والشيوعيون والقوميون يرفضون ذلك، وهذا ينعكس على العلاقات الخارجية كلها، وعلى الفترة الانتقالية بأكملها، فالمجتمع الدولي فاقد البوصلة، وحائر كيف يتعامل مع هذه الحكومة، ويصعب التنبؤ بما تقوم به.
• لمن كانت الغلبة عمليا فيما مضى من عمر الفترة الانتقالية من بين هذه المكونات؟
ــ الغلبة كانت للمكون العسكري، وهو مسير هذا الخط، رغم أن الوثيقة الدستورية لا تعطيه هذا الحق، وهو سائر في المحور الإماراتي السعودي، كذلك الموقف من السلام قاده المكون العسكري، ولذلك ظلال، والعسكر الآن يقودون الفترة الانتقالية.
• الحاضنة السياسية للحكومة الانتقالية الممثلة في قوى إعلان الحرية والتغيير تعرضت لبعثرة وتشظي ببعض الانسحابات وبعض التجميد من قوى قوية ومؤثرة، فما هو شكل الحاضنة السياسية القادمة؟
ــ الحاضنة السياسية القادمة تتكون من مجموعة تحالفات وتكتلات بالإضافة للعسكر، مثل تحالف قوى النداء الوطني، ومجموعة عقار، يضاف لذلك القادمون من جوبا، ومن هؤلاء جميعا تتكون الحاضنة السياسية القادمة، وتم التمهيد لهذا
الحاضنة السياسية القديمة كانت متناقضة، وهذا ما أتوقعه من الحاضنة السياسية الجديدة
بالانسحاب الأخير للشيوعيين، وقبله تجمع المهنيين، وقبله تجميد حزب الأمة، فالحاضنة السياسية القديمة انزوت، وتتكون حاضنة جديدة، وهي تختلف كثيرا عن الحاضنة القديمة وهي التي تقود الفترة القادمة.
• ما هي مميزات الحاضنة الجديدة؟ وكيفية تعاملها مع ملفات الفترة الانتقالية؟
ــ الحاضنة الجديدة ستستفيد من كل الدروس السابقة، وتعاملها مع الآخر تصالحي وليس اقصائيا مثلما كانت تفعل قحت، بالإضافة إلى ذلك ستجد سندا من المكون الإسلامي، باعتبارها تضم معظم أحزاب التوالي السياسي، لذلك ستجد دعما من التيار الإسلامي عموما، وتقلل الضغط على المكون العسكري، وتمهد لانتخابات برلمانية أفضل بكثير من ممارسات قحت وتخبطها.
• على مستوى القضايا الإسلامية في الفترة الانتقالية كيف ستتعامل الحاضنة الجديدة؟
ــ الحاضنة السياسية الجديدة امتداد للدولة العميقة، وكلام الفريق كباشي الأخير يعطى مؤشرا لما ينبغي أن يكون عليه المستقبل، ورفض للدولة العلمانية، والحاضنة الجديدة تستفيد من واقع الإقصاء السابق، ومتصالحة مع قيم الدين، وتعبر عن توجهات الدولة العميقة فيما يخص الدين والتدين.
• تدور حرب طاحنة في الجارة إثيوبيا بين الحكومة الاتحادية وإقليم التغراي، ما أثر ذلك علينا، وهل للحكومة الانتقالية استراتيجية للتعامل مع هذا الملف؟
ــ الحرب التي نشبت بين حكام إثيوبيا وجبهة التغراي تمثل مهددا كبيرا على السودان، وتلقي بظلالها على واقع شرق السودان الذي هو أصلا مضعضع، وما يدور في الشرق من حراك قبلي وجهوي وعنصري، فإذا أضفنا أزمة التغراي هذا يجعل الشرق يلتهب أكثر، ويتوقع أن يصل عدد اللاجئين الفارين من الحرب الإثيوبية إلى أكثر من مائتي ألف لاجئ في المرحلة الأولى، وهذا يؤثر على الاقتصاد المتهالك أصلا، وينبغي أن تتعاطى الحكومة الانتقالية مع ما يجري بصورة أفضل، مثلا في
الانحياز للطرف المصري في ملف سد النهضة خطأ استراتيجي
ملف سد النهضة كان من الأفضل للحكومة الانتقالية أن تقف موقفا وسطا، وتمثل دو الوسيط، ومن الأخطاء الاستراتيجية انحياز الحكومة الانتقالية للطرف المصري، فحكومة الإنقاذ كانت منحازة للجانب الإثيوبي، والحكومة الانتقالية انحيازها واضح للجانب المصري، ويجب أن نقف موقفا وسطا، حتى لا نفقد مصداقيتنا، ونعمل على الصلح بين الدولتين، ووقفت الحكومة الانتقالية هذا الموقف المنحاز للجانب المصري وفقا لانحيازها إقليميا لمحور السعودية الإمارات المنحاز للجانب المصري، وهذا يجعل إثيوبيا تضر السودان، ويمكن أن تتدخل إثيوبيا بما يؤثر سلبا على الوضع في السودان.
• ارتفعت وتيرة التطبيع مع العدو الصهيوني بصورة غريبة حتى تم الإعلان عن التطبيع ببين الدولتين، ومن المتوقع أن تمضي الحكومة الانتقالية لأبعد من هذا في ملف التطبيع، فما مستقبل التطببيع؟ وما أثره على السودان؟
ــ التطبيع كما ذكر حمدوك وكما ذكر المكون المدني إثر لقاء البرهان نتنياهو فكان المكون المدني يذكر أن يترك هذا الموضوع لما بعد الانتخابات القادمة، وهذا ما ذكره حمدوك لوزير الخارجية بومبيو، ولكن ما لبث أن تماهى مجلس الوزراء مع موضوع التطبيع، والتطبيع يضر بالقضية الفلسطينية، والخرطوم عرفت باللاءات الثلاث، وهنا لا بد أن يركز السودان مبدئيا وتاريخيا، ولن يستفيد السودان من التطبيع، باعتبار أن الدول من حولنا كتشاد وجنوب السودان وإرتريا وهي دول مجاورة ومطبعة مع العدو الصهيوني، تعتمد في حياتها على السودان، ولم تتحول بسبب التطبيع إلى جنان وبلاد مترفة، إذن لن نجني شيئا من التطبيع، ثم إن السودان يكون سقط في امتحان المبادئ في موضوع التطبع، ولم يعد بذلك العمق العربي والإسلامي الذي ينافح عن القضية الفلسطينية، وبالتالي هذا خصم إخلاقيا على السودان الذي استجاب لابتزاز ترامب وتهافت الإمارات.



