حسن عبد الحميد يكتب.. عودة حمدوك.. لا مرحبا بها

حسن عبد الحميد
في ظل حالة التوهان والاحتقان السياسي الذي تعاني منه البلاد هذه الأيام، وبعد توقيع ما تبقى من قوى (قحت) ومن والاها على وثيقة الاتفاق الإطاري؛ الذي تم توقيعه بحضور من السفراء الأجانب؛ وبرعاية مباشرة من مبعوث الاحتلال الجديد الألماني فولكر؛ وفي ظل ترقب عودة رموز الفشل الذين جربهم الشعب السوداني بعد ثورة أبريل 2019م؛ وأضاعوا البلاد فلم يصونوا أمنا ولم يرعوا اقتصادا، ولم ينالوا ثقة المواطن البسيط؛ فُجعت الأوساط السودانية بخبر مفاده عودة رمز الفشل الأول الدكتور عبدالله حمدوك إلى رئاسة الوزارة مرة أخرى، وانطلقت أحاديث وتصريحات هنا وهناك في وسائط الإعلام المختلفة (تهرف) بهذه الفاجعة التي نسأل الله تعالى أن يقينا شرها، وأن تكون هذه مجرد إشاعات وأحاديث ملفقة.
ولكن ما الذي يرجوه الذين يروجون لعودة حمدوك؟ وماذا ينتظرون من الرجل بعد أن تم إعطاءه فرصة كاملة في رئاسة الوزارة وفشل فشلا ذريعا؟
الحقيقة أن هذا الحمدوك تأكد للمراقبين والعالمين ببواطن الأمور والمتابعين بدقة لتصرفاته وأعماله في الوزارة أنه لن ينجح أبدا في هذا المنصب منذ الشهور الأولى التي تولى فيها هذا المنصب الخطير، وكان الأجدر به أن يستقيل ويغادر منذ الأيام الأولى طالما أنه ليس بقامة هذا المنصب الخطير، الذي كان من المتوقع منه أن يقود السودان إلى بر الأمان وينقذه من مشاكله المزمنة خاصة الاقتصادية، فقد تم تقديم الرجل على أنه خبير اقتصادي ويحمل درجة الدكتوراه في أحد فروع الاقتصاد، وانخدع المتفائلون بأنه عمل كثيرا في المنظمات الدولية، وبالتالي هو الأقدر على التعامل مع المجتمع الدولي؛ أو هكذا تخيلوا، وهكذا عوّل البسطاء على الرجل لينتشلهم من وهدتهم، ويعبر بهم مثلما كان يردد دائما دون عمل، ولكن الرجل سلخ من عمر هذه الأمة أكثر من عامين وشهرين وهو يتربع على قمة الجهاز التنفيذي دون أن ينجز شيئا ذا بال في هذه المدة؛ بل قد تداولت الوسائط أنه يتقاضى مرتبه الشهري من جهات خارجية!! وهذه المعلومة التي نُشرت أثناء تولي الرجل للمنصب لو لم تصح لسارع إلى نفيها فورا وملاحقة من يروجون لها؛ أما إن صحت فهي الطامة الكبرى والمصيبة الأعظم التي لم تكن لها سابقة في تاريخ السودان، ولا أظن أن لها سابقة معلومة على مستوى العالم؛ فالذين يتولون المناصب العليا إن كانوا من النوع الذي يتقاضى مرتبه من الخارج؛ فإنهم يكونون عادة على مستوى من الحصافة بحيث لا تنتشر هذه المعلومة وهم على سدة المنصب الخطير؛ بعكس صاحبنا هذا.
قلنا أن البسطاء انخدعوا بالرجل، لكن الخبراء والعالمون ببواطن الأمور والمراقبون الحصيفون تأكد لهم من الأيام الأولى أن الرجل لن ينجح؛ فما الذي كان يعلمه الخبراء والمراقبون وتأكدوا معه من فشل الرجل مما لم يعلمه عامة الناس؟
أهم ما كان يعلمه هؤلاء أن الرجل علماني الفكر تربى على موائد الغرب الفكرية والمنهجية؛ وهو بالتالي لن يكون له مستقبل في بلد يدين الغالبية من أهله بالإسلام ويعتزون به، ويرفضون بالتالي العلمانية رفضا كاملا ويقاومونها بشراسة حتى لو جاءت بأسنة الرماح وفرضها الأجنبي المستعمر الجديد، فالأمر هنا أمر دين، وليس أمر سياسات فرعية نختلف حولها أو نختار منها ما نشاء مما يتعارض مع ثوابتنا وعقيدتنا؛ ومن هنا كانت أولى مساوئ الرجل و(عاهاته) أنه علماني، وبالتالي لا يصلح لقيادة هذه البلاد، ولعل تصرفاته التي تمت برعاية الأجنبي، وقابل بها المتمرد الحلو وتحدث هناك عن العلمانية؛ كشفت الرجل تماما أمام الناس وفضحته، وخيّب آمال من كان يرجو بها خيرا.
أيضا من سوءات الرجل التي بدت للناس مبكرا استدعاؤه للبعثة الأممية بقيادة فولكر مبكرا بخطاب أرسله من وراء المجلس السيادي؛ وهذه هي ــ بعد علمانيته ــ من أكبر (عاهاته) وسوءاته، فلا زلنا نعاني من هذا الفولكر الذي جاء به ذاك الحمدوك، وفولكر اصبح يتصرف في السودان كمبعوث للاستعمار الجديد وليس كمبعوث للأمم المتحدة يريد أن يحل مشكلة سياسية برضا الأطراف السودانية، ففولكر تبين مبكرا أنه منحاز إلى (قحت) بحكم الاشتراك في العلمانية، ولكن حتى من أطرف (قحت) من أعلن أنه ضد التدخل الأجنبي، وضد فرض الحلول من الخارج، ولكن فولكر مضى في غيّه وواصل انحيازه الفاضح لفصائل سودانية دون الأخرى، رغم أن الفصائل التي انحاز لها لا تمثل الشعب السوداني بل تم تجريبها وفشلت، بل تمزقت وتشتت وخرجت منها فصائل وصارت كبقية الثوب الممزق الذي يراد له أن يستر عاهات فولكر وأنى له، وما دام فولكر هذا قائم بيننا فإن سيادتنا منقوصة وكرامتنا الوطنية منتهكة.
من العلامات البارزة لفشل هذا الحمدوك الجانب الاقتصادي الذي كان من المنتظر أن يكون له القدح المعلى فيه باعتباره حاصل على الدكتوراه في أحد فروع الاقتصاد، فماذا فعل الرجل باقتصادنا طيلة أكثر من عامين جلس فيها على سدة المنصب الخطير؟ لعل هذا الأمر لا يحتاج إلى خبراء أو مراقبين حصيفين؛ فالمواطن العادي اكتوى من سياساته الاقتصادية ونتائجها الكارثية دون أن يكون هناك ضوء في نهاية النفق يمكن أن يعول عليه، واتضح للجميع فشل الرجل الذريع في هذا الميدان الذي هو ميدانه ومنتظر منه الكثير فيه، ولعل أي مواطن عادي سيقارن ــ مثلا ـــ كم كان سعر قطعة الخبز عندما تولى الرجل وكم صارت عندما غادر بسبب سياساته، وكم كان سعر جالون الوقود بنزينا كان أو جازولينا وكم صار بعد أن غادر، وكم كان سعر اسطوانة الغاز المنزلي عندما تسلم الرجل وكم صارت عندما غادر… ولن نسترسل في أمور تعرفها ربات البيوت بحكم المعايشة اليومية ويعرفها راعي الضأن في الخلاء… فكم كان مقدار فشل هذا الحمدوك الذي يراد له أن يعود، ولماذا يعود بعد أن لمسنا بل واحترقنا بسبب سياساته الخرقاء.
لكل ذلك فإن عودة حمدوك فاجعة بكل المقاييس، وعودة الرجل ــ لا قدر الله ـــ ليست لها علاقة بتقدم الوطن ورفاهية المواطن، بل لها أجندة أخرى يعلمها الذين يريدون له العودة ويعلمها الخبراء والمراقبون، لكنها لن تتحقق بإذن الله ما دام في هذه البلاد رجال يقاومون الفشل ورموزه.



