أربعاء الحلو و(أربعاءات الرماد)!

حسن عبد الحميد
ذات صباح الأسبوع الماضي اتصلت علي صديقي الصحفي بعد انقطاع طويل، وهو رئيس قسم بإحدى صحف الخرطوم الشهيرة، وبعد التحايا قلت له أقرأ هذه الأيام رواية لآدم أبكر إسماعيل اسمها (الضفة الأخرى)، فقال لي آدم أبكر روائي جيد، وهو عضو بالحركة الشعبية شمال، وربما يكون مشاركا في مفاوضات جوبا التي تجري هذه الأيام بين الحركة الشعبية جناح الحلو والحكومة الانتقالية، هذا ما قاله صديقي الصحفي، ولست متأكدا من هذه المعلومة، لكن هذه المعلومة التي زودتني بها صديقي الصحفي جعلتني أهتم بقراءة الرواية من زاوية جديدة، فأنا أقف أيدلوجيا على الضفة الأخرى من أيدلوجية الحركة الشعبية، ولست ممن يقول بـ (موت الكاتب)،على العكس تماما، فالكاتب عندي حاضر في كل رواية، وهو أصلا يريد أن يوصل رسالة ما من خلال روايته، فالرواية ـ كما درسنا بالجامعة ـ ليست مجرد قصة خيالية، وإنما رسالة يريد أن يوصلها الكاتب في قالب أدبي.
رواية الضفة الأخرى صدرت طبعتها الأولى عام 2002م، أي قبل تسعة عشر عاما، تحكي خيبة أمل بطل الرواية (عامر ديكور) المنتمي إلى الحزب التقدمي، في محبوبته (سلمى مصطفى) التي كانت تنتمي لنفس الحزب، لكنها اختارت ـ بعد قصة حب عنيفة مع البطل ـ أن تتزوج عريسا جاهزا مغتربا في إحدى دول الخليج، وتركت صاحبنا للضياع، يعاقر الخمر، ويغوص في تهويماته الفلسفية، وسخريته من الحياة والأحياء، ثم غادر البلاد هو الآخر هاربا من واقعه، محتفظا بنفس تهويماته الفلسفية ونظرته الساخرة.
الذي شدّني للرواية، بعد معلومة صديقي الصحفي عن الهوية الإيديلوجية لصاحب الرواية، جزئية (اربعاءات الرماد)، وهي طقوس ينخرط فيها البطل مع محبوبته، التي ليست زوجته، بل ولا خطيبته، وقد فصّل الكاتب في جزئية (أربعاءات الرماد) وكررها أكثر من مرة، وهي طقوس وممارسات أقل ما يقال عنها أنها تخالف الدين والعرف وصحيح الفطرة وسليم العقل، والرواية تطفح بالعبارات الجنسية، تصريحا، أو تلميحا، لكن ليس هذا ما نود الإشارة إليه في هذه العجالة، وليس هذا نقدا أدبيا للرواية، الجزئية التي أود التنبيه إليها هي مصطلح (أربعاءات الرماد)، ولا أدري هل ابتكره الكاتب، أم هو مصطلح متعارف عليه عند بعض الأحزاب، وبعض الشباب؟
وعودة من عالم الروايات إلى عالم الواقع، فقد حملت أنباء مفاوضات جوبا أن رئيس الحركة الشعبية قطاع الشمال عبد العزيز الحلو قد اقترح أن تكون الإجازة في السودان هي يوم (الأربعاء)!! لماذا الأربعاء بالذات دون بقية أيام الأسبوع؟ وهل هو مجرد توافق؟ أم لهذا علاقة بـ (أربعاءات الرماد) التي أشار إليها الكاتب في الرواية؟
قبل سنوات كنت مسافرا إلى تركيا لحضور مؤتمر، وكان يرافقني في تلك الرحلة بالطائرة صديق يعمل أستاذا للفلسفة بإحدى الجامعات السودانية، وهو مهتم بالأدب أيضا، وانتهزت فرصة زمن الرحلة الطويل نسبيا للنقاش حول قضايا أدبية وفلسفية، وكان مما قاله صديقي أستاذ الفلسفة أن البعض يختار مجال الأدب ليعبّر عن بعض أفكاره، ويتخذ من القالب الروائي مستودعا للتعبير عن تلك الفكرة؛ حتى إذا كررها في أكثر من عمل أدبي وأصبحت مألوفة لدى عامة الناس، أو لدى النخب على الأقل، دعا إلى تلك الأفكار عبر مقالات أو محاضرات أو مساهمات سياسية أو فكرية بعيدا عن عالم الأدب والروايات..
والآن بعد تسعة عشر عاما من الطبعة الأولى لرواية (الضفة الأخرى).. ماعلاقة (أربعاءات الرماد) بإجازة الأربعاء التي اقترحها الحلو؟ مستصحبين في ذلك مصادقة الحكومة الانتقالية على اتفاقية (سيداو) سيئة الذكر، وما نضح في الأيام الماضية من كتابة بعض الصحفيات (التقدميات) حول اتخاذ الزوجة صديقا لها تلجأ إليه في حال تزوج عليها زوجها!!
التغيير ينشأ أولا في الأفكار والعقول، ثم يحاول أن يتخذ له حيزا في أرض الواقع، وليست إجازة الأربعاء هي المصيبة الوحيدة التي اقترحها الحلو في المفاوضات التي تم تعليقها قبل الوصول إلى اتفاق، بل موضوع العلمانية هو (اربعاءات الرماد) الحقيقية التي لو وافقت عليها الحكومة الانتقالية فإن الرماد قد كال حماد.. اقصد السودان.
تنبيه: هذه ليست دعوة لقراءة رواية (الضفة الأخرى) ولا أقصد عمل دعاية للرواية، وقراءة الرواية على مسئولية قارئها، ولست مسئولا عن أي آثار، أو تعليقات جانبية.



