
حسن عبد الحميد
تواصلت محاضرات الدكتور جعفر ميرغني التي يقيمها بمقر صحيفة التيار في الخرطوم تحت عنوان (أضواء على الحضارة السودانية) كل يوم اثنين، وقد تناول الاثنين الثامن من مارس 2021م موضوع التعليم في السودان ونشأة الخلاوي وطرفا من تاريخ السودان الحديث، ويسرد الدكتور جعفر ميرغني تاريخ السودان بطريقته الممتعة وأسلوبه الفريد الذي يطوّف في شتى المواضيع بيسر وسهولة ويزوّد المستمع بحصيلة وافرة من المعلومات التاريخية والحقائق الاجتماعية مع ربط ذلك بقضايا الحاضر المعاصر.
أشار الدكتور جعفر إلى أن السودان عرف التعليم قديما، وكان التعليم متاحا للجميع ومجانيا كما هو الحال في الخلاوي التي هي في الأصل مؤسسات تعليمية وليست مكانا لحفظ القرآن فقط، وللشيخ فرح ود تكتوك الذي عاش في العصر السناري أبيات حول التعليم للجميع، والمعروف أن تعليم المرأة حظي في السودان باهتمام بالغ، في الوقت الذي لم تكن النساء يحلمن بالتعليم في أوروبا، وللتدليل على ذلك، أورد الدكتور جعفر قصة جان جاك روسو الذي يعرف بنبي التعليم، فقد ألّف روسو كتابا اسمه (إميل) وهو اسم طفل افتراضي، وأودع فيه نظريته للتعليم، وعن مكانة المرأة في حياة هذا الفتى، ابتكر روسو شخصية (صوفيا) وهي شخصية افتراضية، الغرض منها أن تعين الطفل (إميل) وتهيئ له الجو المناسب للتعليم، وهذا كل ما هنالك بالنسبة لصوفيا، فلم يتحدث عن تعليمها هي، أما بالنسبة لحياة روسو نفسه فقد ارتكب أكبر جريمة في حق المرأة في حياته، فقد أقام في فندق، وأغوى نادلة الفندق، وأنجب منها خمسة أبناء، سلمهم جميعا إلى الملجأ، فهذه هي معاملته بالنسبة للمرأة، وفي المقارنة بين روسو والشيخ فرح ودتكتوك أشار الدكتور جعفر إلى أن روسو كان تربويا نظريا، بينما الشيخ فرح ودتكتوك كان تربويا عمليا يمارس التربية ولا يدرّسها فقط.
وإذا كان هذا هو وضع تعليم المرأة في التاريخ السوداني، فإن السؤال إين اختفى تعليم المرأة في العصور التي تلت العصر السناري؟ وأجاب الدكتور جعفر بأن الأتراك عندما غزوا السودان، غيروا النمط الاقتصادي والمالي، وكثير من الناس هجروا المدن، وعلى رأسهم شيوخ الخلاوي وأئمة العلم، لذلك لم تكن الخلاوي تفتح في المدن العامرة، وكانت المدن الجديدة تنشأ حول الخلاوي، وليس العكس، والمئات من المدن في السودان نشأت حول المدارس التي هي الخلاوي، وبعد قدوم الأتراك اختفى تعليم المرأة في السودان، خاصة في المدن القديمة لأنه نشأ على مزاج تركي، بينما استمرت الخلاوي في الأرياف والقرى النائية تحتفي بتعليم المرأة حتى يومنا هذا، ولم يكن هذا محل جدل.
وأشار الدكتور جعفر إلى نقطة في غاية الأهمية تسلط الضوء على دور شيوخ الخلاوي في نشأة المدن وفي تاريخ السودان، فقد أشار إلى أن كلمة استراتيجية الرائجة في الكتابات أصلها كلمة إغريقية، وتعني القائد أو الأمير، وليس بالضرورة أن يكون قائدا عسكريا فحسب، وبهذا المعنى فإن شيخ الخلوة كان قائدا مدنيا واستراتيجيا، ويخرّج في خلوته القادة، ولهم دور عسكري أيضا إذا استدعى الحال، وأوضح أن السودان في التاريخ الحديث نشأت فيه ثلاث سلطات هي السلطة السياسية، والعلمية، والتجارية، وكل واحدة من هذه السلطات مستقلة، لكنها متداخلة مع الأخريين، وكل واحدة منها أنشأت مدن، وقد أشار ود ضيف الله في كتابه عن تاريخ سنار، أن السلطان قد أنشأ مدينة سنار، في إشارة إلى السلطة السياسية، ثم نشأت مدينة أربجي قبلها بثلاثين سنة، وهي مدينة السلطة التجارية، ثم نشأت مدن في النيل الأبيض أنشأها شيوخ الخلاوي، في إشارة إلى السلطة العلمية.
وأورد الدكتور جعفر قصة لها دلالتها في سلطة شيخ الخلوة، فقد جاء الرحالة الألماني بورهارد عام 1813م إلى السودان، وهو موفد من الجمعية الجغرافية الملكية البريطانية، ونزل بالدامر في شمال السودان، ووصفها في كتاباته بأن فيها مدرسة كبيرة، في إشارة للخلوة، وأنها يحكمها الشيوخ ( وقد استعمل كلمة القديسون)، وقد تمت استضافته والوفد المرافق له لمدة ثلاثة أيام مجانا، وعندما أراد أن يغادر الدامر، أوفد معه شيخ الخلوة أحد تلاميذه (أحد حيرانه) حيث أوصلهم إلى حدود الدامر وهو على ظهر حمار وليس معه سلاح، وعندما علّق أحد مرافقي بورهارد أن هذه الرفقة ليست مأمونة وقد يتعرضون لقطاع الطرق أو للسرقة، قال له بورهارد إن تلميذ الشيخ هذا في هذه المنطقة له مهابة أقوى من السلطان ويستمد مهابته هذه من شيخ الخلوة الذي أوفده.
وأوضح الدكتور جعفر إلى أن غاية التعليم في السودان في التاريخ الحديث أن يكون الرجل المتعلم ناجحا وفالحا في الحياة، ومستوعبا للعلوم الضرورية كالفقه والتفسير والعربية، ولا يرتبط بالوظيفة أو جلب المال كما هو اليوم في معظم مقاصد التعليم، وهذا كان سائدا في السودان إلى عهد قريب، وحكى قصة مرت به شخصيا، فقد كان في بداية حياته في التعليم الجامعي يتعاون مع جامعة أمدرمان الإسلامية، وكان يدرّس مادة جديدة في علم اللغة، وكان من بين طلابه في جامعة أمدرمان الإسلامية ثلاثة من الرجال الكبار في السن في نهاية الخمسينيات من أعمارهم، فسألهم ذات مرة عن سر اهتمامهم بالتعليم في هذه السن المتأخرة، فقالوا له لقد درسنا اللغة العربية في شبابنا في المعهد العلمي، ولم تكن مادة علم اللغة مقررة علينا، وسمعنا أنك تدرسها هنا، فجئنا لنكمل تعليمنا ونستوعب هذه المادة لنضيفها لما درسناه.
ثم تعرض الدكتور جعفر لما نسميه اقتصاديات التعليم، وأكد أن التعليم لم يكن معتمدا على السلطان، وهذا يقودنا إلى السؤال عن محاسن سياسات التعليم في السودان قبل الحكم الأجنبي، ونبه إلى أن المناهج قد تتغير وتتطور، لكن ليتنا فكرنا في أسلوب إدارة الخلوة التي هي المؤسسة التعليمية الرئيسة في السودان قبل الحكم الأجنبي، وأشار في هذا الصدد على سبيل المثال إلى ودحسونة في ضواحي الخرطوم، وهي خلوة أنشأها أحد الشيوخ في الخلاء جهة منطقة أبو دليق، وإلى الآن سوقها من أعمر الأسواق الشعبية، ويستفاد من هذا أن الاقتصاد كلما نأى عن السلطان، كان أجدى وأنجح، وفي هذا المجال قال الدكتور جعفر أنه يفهم المقولة المنسوبة إلى السيد المسيح عليه السلام كالآتي ( أعطوا مال قيصر لقيصر ومال الله لله)، بمعنى ابتعدوا عن اقتصاد السلطان بقدر الإمكان، وأنشئوا اقتصادكم الخاص بكم، لدرجة أنكم يمكن ألا تتعاملوا بعملة القيصر، وإذا ترك الناس التعامل بالعملة الرسمية يمكن أن تنهار، بينما يبقى الاقتصاد الشعبي المبتعد عن الاقتصاد الرسمي في ازدهار.
إنضم الى احدى مجموعاتنا على الواتس



