تقاريرسياسة

وزيرة الخارجية وملف التطبيع “الطبيبة” تدخل في حالة “تنازع حاد”

الخرطوم : نجاة حاطط
“تنازع حاد”..ربما هذه هي المفردة المناسبة التي سيشخّصها المهتمون ببواطن علم النفس فيما بينهم عن الحالة التي تعتري وزيرة الخارجية السودانية د.مريم الصادق المهدي بشأن ملف التطبيع مع إسرائيل؛ وذلك لأن الدولة صارت تمضي قدما بشأن هذا الملف حتى شارفت على الانتهاء منه، بينما ترفض إيدولوجية حزب مريم، الذي أتى بها، التطبيع جملة وتفصيلا، وقبيل تولي مريم مهام وزارة الخارجية، وفي الرابع من نوفمبر الماضي، والبلاد تمضي في ملف التطبيع بخطى متسارعة وبعد أيام قليلة من تطبيع السودان علاقاته مع إسرائيل- صرحت مريم المهدي – بأن ربط رفع اسم الخرطوم من قوائم الإرهاب الأمريكية، بالتطبيع مع تل أبيب شكل خطورة ؛ لأنه يؤدي إلى انقسام داخل الجسم السياسي والمجتمع السوداني.
وطالبت بإيجاد رؤية واضحة لمصالح السودان وعلاقاته من منظور سوداني، مضيفة بأن وجود تلك الرؤية من قبل برلمان منتخب يرضى عنه الشعب سيكون محل ترحيب.

تلميح:
وألمحت وزيرة الخارجية إلى وجود قانون سوداني يسري حتى الآن يجرم التعامل مع إسرائيل، مطالبة في الوقت ذاته برؤية واضحة لعلاقات السودان الخارجية تحقق مصلحته وفقًا للمنظور السوداني ،وشددت على أن تلك الرؤية يجب أن تكون من قبل برلمان يتم انتخابه من قبل الشعب، مضيفة أنهم في حزب الأمة “لا يخوّنون أحدا ولا يسمحون  لأحد بتخوينهم بسبب رأيهم”.

تحديات:
وتواجه د.مريم الصادق المهدي تحديات كبيرة بشأن ملف التطبيع الذي يعارضه حزبها، وكان من أشد المعارضين له والدها رئيس حزب الأمة القومي الراحل الصادق المهدي، وكان آخر ما خطه بيده عن قضايا وطنه قضية رفضه الكامل للتطبيع مع إسرائيل، وكان  ذلك بعد نقله لمستشفى علياء بُعيد إصابته بكوفيد 19، في مقال نشرته معظم الصحف السيارة وقتئذ.

التزام:
وقال الأمين العام لحزب الأمة الواثق البرير، لقناة الجزيرة الإخبارية، فور أداء د.مريم الصادق لليمين الدستورية في العاشر من فبراير الماضي، إن مريم الصادق ملتزمة بموقف الحزب الرافض للتطبيع مع إسرائيل، مشيرا إلى أن الوزيرة ستصطحب معها هذا الموقف المبدئي.

مطالبات:
وفور صدور تصريحات الأمين العام لحزب الأمة الواثق البرير بخصوص التزام وزيرة الخارجية بأيدولوجية حزبها، طالبت حكومة الظل، في بيان لها طالبت فيه رئيس الوزراء بإقالة مريم الصادق نائبة رئيس حزب الأمة القومي، من منصبها كوزيرة للخارجية في الحكومة الانتقالية، وذلك على خلفية تصريح الواثق البرير ، وأشار البيان إلى أنه “لا يمكن القبول أن يكون برنامج عمل وزارة الخارجية في الفترة الانتقالية رهينة مبادئ وتوجهات أيديولوجية تناقض المهام والأهداف التي حددتها الحكومة الانتقالية سلفاً وقطعت في تنفيذها وزارة الخارجية شوطاً كبيراً”. ودعا البيان حزب الأمة إلى انتظار الانتخابات المقبلة ليحصل “على التفويض الشعبي إن أراد تنفيذ رؤيته وبرامجه وليس عبر حكومة محاصصات ، وعليه الالتزام بتنفيذ برنامجها طالما ارتضى أن يكون جزء منها”.

حالة تشابه:
ويشابه موقف د.مريم الصادق المهدي بتوليها وزارة الخارجية وببنيها رؤية الحكومة، بحسب موقعها  الحكومي الحالي، والذي تناهض رؤاه رؤيتها ورؤية حزبها يشابه موقف وزير الثقافة والإعلام، الناطق الرسمي باسم الحكومة السابق فيصل محمد صالح، المنطلق من خلفية أيدولوجيا الفكر  القومي العربي الناصري، الذي ترفض أيدولوجيته التطبيع مع إسرائيل، بينما تبنى رؤية الحكومة بحسب موقعه السابق، كناطق رسمي لها، الأمر الذي جعله في  حالة نزاع داخلي مع قناعاته ومبادئه.

موقف:
أشار الناقد المحلل السياسي أبوعاقلة إدريس  في حديثه لـــ”شبكة الطابية الإخبارية” إلى البعد التاريخي، في مواقف حزب الأمة من قضية التطبيع مع الكيان الصهيوني، فعلى الرغم من الموقف المبدئي لكيان الأنصار وحزب الأمة المتمثل في رفض التطبيع جملة وتفصيلا، وهو ما ختمت به حياة إمام الأنصار الخامس السيد الصادق المهدي، إلا أن ما زعمه  المفكر الراحل محمد أبوالقاسم حاج حمد وأفصحت عنه بعض الوثائق البريطانية  يؤخذ في اعتبار الدراسة الموضوعية  لموقف الحزب العام  من تلك القضية، حيث شكلت مجزرة أول مارس 1954 والتي استهدفت حياة اللواء محمد نجيب، أول رئيس لمصر بعد الملكية، صدمة لقيادة حزب الأمة، حيث حدثت المجزرة في مطار الخرطوم حين استقباله إعلان القطيعة مع مصر والاتحاديين السودانيين مع استهداف اغتيال أول ديمقراطية سودانية، الأمر الذي دفع حزب الأمة لإيجاد حلفاء إقليميين، حسب رأي محمد أبوالقاسم حاج حمد في كتابه “السودان.. المأزق التاريخي وآفاق المستقبل ..جدلية التركيب” ليواجهوا بهم النفوذ المصري، خصوصا وأن العلاقات مع بريطانيا لم تكن كافية لتتسق مع مستوى القطيعة التي وصل إليها مع مصر ، فكان الاتجاه نحو إسرائيل بداية من مطلع يوليو 1954 وبعد ثلاثة أشهر من المجزرة، وقد أفرجت بريطانيا أخيرا على الوثائق بين الصديق المهدي ومحمد أحمد عمر وجانب إسرائيلي ،إذ تكشف الوثيقة السرية رقم 10332/2/954 الصادرة عن مكتب المملكة المتحدة المؤرخة في 6 أغسطس من نفس العام، عن اتصالات واجتماعات  تمت بين قطبين من حزب الأمة السوداني هما محمد أحمد عمر والصديق المهدي وأحد المسؤولين في السفارة الإسرائيلية في لندن هو غازيت، وطلبا مساعدة إسرائيل للحزب في مساعيه للحصول على الاستقلال – سواء مساعدة مالية أو إعلامية – ودور بريطانيا في دعم “التعاون” ضد ما أسمته الوثيقة “التدخل المصري “.
وأضاف أبوعاقلة” ومع ذلك  فإن أدبيات الأنصار وحزب الأمة –والأنصار  كيان يرتكز في مبادئه على إرث مهدوي جهادي  طويل،  والأمة حزب يرتكز على دعوته الباكرة للاستقلال تحت شعار “السودان للسودانيين ” – يرفض بشدة التطبيع  ويرى على لسان الإمام  الراحل الصادق المهدي في كتابه “تحديات التسعينيات ” إمكان حدوث التطبيع مع إسرائيل في علاقاتها مع العرب بشروط : أولا – الاعتراف  بحق الفلسطينيين الذين نزحوا عام 1948 وتطبيق قرارات الأمم المتحدة بشأنهم .ثانيا – معاملة العرب داخل الدولة كمواطنين درجة أولى أسوة باليهود  وحماية حقوقهم هذه بالدستور ،ثالثا – إلغاء قانون العودة الذي يعطي أي يهودي في العالم الحق في المواطنة .رابعا-  انسحاب إسرائيل من الأراضي العربية المحتلة عام 1967 ، خامسا  -أن يمارس الفلسطينيون حقهم في تقرير مصيرهم ،سادسا – الانخراط في الشرق الأوسط، والتخلي عن أي وصاية على يهود العالم مثلما تريد الحركة الصهيونية .

حساسية الموقف:
وأضاف أبوعاقلة بأننا تابعنا  عبر شتى منابر الإعلام الموقف الصارم للمنصورة د.مريم الصادق المهدي الرافض للتطبيع مع الكيان الصهيوني على خلفية  اتجاه الحكومة الانتقالية في نسختها الأولى نحو ملف التطبيع ..واليوم وقد استوزرت المنصورة فإن موقفها يكون حساساً للغاية  وإن أعلن حزب الأمة القومي أن ممثلليه في الحكومة الانتقالية الثانية يدعمون حكومتهم في كل سياساتها المعلنة، بيد أن الأيام ستكشف لنا الصراع المخبوء  بين المباديء والبراغماتية  :
“والليالي من الزمان حبالى
حافلات يلدن كل عجيب “

إنضم الى احدى مجموعاتنا على الواتس

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى