
تقرير: الطابية
بعد شهر واحد وما يزيد قليلاً، من إعلان حكومة ولاية الخرطوم سلسلة من التدابير لكبح أسعار الخبز، عادت الأزمة إلى الواجهة. فاعتباراً من اليوم السبت، بدأت بعض مخابز في العاصمة الخرطوم بيع رغيفين من الخبز بسعر ألف جنيه، بعد أن كانت ثلاثة أرغفة تُباع بالسعر نفسه! هذه الزيادة الجديدة، التي تأتي بعد زيادات متتالية، تطرح تساؤلات جوهرية؛ هل كانت المعالجات السابقة مجرد مسكنات؟ أم أن التجار خرقوا الاتفاق؟ ولماذا لا تلجأ الحكومة إلى الحلول الجادة التي تثبت الأسعار؟
المعالجات السابقة.. مسكنات لم تصمد
في أوائل سبتمبر المنصرم، أعلنت حكومة ولاية الخرطوم حزمة من التدابير للسيطرة على أسعار الخبز، شملت إعفاء المخابز من الرسوم الولائية والمحلية حتى نهاية العام، مقابل الالتزام بالأسعار السابقة. كما توصلت وزارة الصناعة والتجارة إلى اتفاق مع المطاحن لتوفير جوال الدقيق زنة 25 كيلوغراماً بسعر 87 ألف جنيه واصلاً إلى المخبز. هذا الاتفاق، الذي كان يُفترض أن يخفض تكلفة الإنتاج ويثبت الأسعار على الأقل، لم يصمد طويلاً، فبعد أقل من شهرين، ارتفع سعر الجوال نفسه إلى 116 ألف جنيه، بزيادة تقارب 33%.
خرق التاجر الاتفاق.. أم فشلت الحكومة؟
المفارقة أن الاتفاق لم يُنفذ، كما كشف نائب رئيس اتحاد المخابز، عصام عكاشة، الذي أشار إلى أن المطاحن كانت تقدم سابقاً كرتونة خميرة كهدية مع كل 100 جوال، إلا أنها سحبت هذه الميزة، مما أبقى أسعار الدقيق وتكلفة الإنتاج على حالها دون أي انخفاض. هذا يعني أن الاتفاق، إن لم يكن حبراً على ورق، فقد انهار في أول اختبار.
لكن السؤال الأهم: لماذا لم تتدخل الحكومة لإلزام المطاحن بتنفيذ الاتفاق؟ ولماذا تُركت المخابز والمواطنون يواجهون الارتفاع وحدهم؟.. ولماذا لم تتدخل الحكومة الاتحادية وتركت المعالجات لولاية الخرطوم وحدها.. هل الأزمة خاصة بالعاصمة الخرطوم فقط أم هي أزمة عامة؟.
أسباب الزيادة.. أرقام تتحدث
الأرقام التي أوردها نائب رئيس اتحاد المخابز تكشف حجم الكارثة. سعر كرتونة الخميرة قفز من 140 ألف جنيه إلى 270 ألف جنيه خلال أقل من شهرين. وجركانة الزيت ارتفعت من 120 ألف جنيه إلى 260 ألف جنيه. ومحسنات الخبز ارتفعت من 30 ألف جنيه إلى ما بين 80 و90 ألف جنيه. وأكياس التعبئة من 37 ألف جنيه إلى 90 ألف جنيه. هذه الزيادات ليست عشوائية، بل هي انعكاس مباشر لتراجع سعر الصرف الذي اقترب من تسعة آلاف جنيه للدولار، إلى جانب ارتفاع أسعار القمح عالمياً وتكاليف الترحيل الداخلي.
لماذا لا تلجأ الحكومة للحلول الجادة؟
السؤال المهم، هل كان غائبًا عن أجهزة الدولة، وهي تقدم للمواطن الحل السابق رغم قسوته، أن أزمة صرف الجنيه المستمرة بدون علاج، ستتسبب في مزيد من التضخم وجنون الأسعار، وأن تكلفة صناعة الخبز، التي هي ليست دقيقًا ورسومًا فقط، ستتأثر حتمًا بذلك التضخم؟!.. الإجابة بالطبع لم يكن ذلك غائبًا عنها، وكانت تعلم!.. إذن لماذا تقدم للمواطن المسحوق حلولاَ هي تعلم علم اليقين أنها لن تصمد طويلاً؟!.. لماذا تقدم حلولًا غير جادة؟!
المشكلة ليست في غياب الحلول، بل في غياب الإرادة.. فالدولة حتى إن فشلت في تثبيت سعر الصرف، فالدعم المباشر للدقيق، أو ضخ كميات كافية من القمح في الأسواق، كلها أدوات تملكها لكنها لا تستخدمها. وبدلاً من ذلك، تغمض الحكومة الاتحادية عينَا وتفتح أخرى، وتلقى بعبء المشكلة إلى حكومة ولاية الخرطوم التي لا تملك السلطات والصلاحيات الكافية لمعالجة الأزمة، فتلجأ إلى إعفاءات ضريبية محدودة، بينما تكتفي الحكومة الاتحادية باتفاقات شفهية عبر وزارة الصناعة مع المطاحن لا تجد طريقها إلى التنفيذ. والنتيجة أن المواطن يدفع الثمن في كل مرة، بينما تتراجع الحكومة إلى موقع المتفرج.
العودة لدعم الدقيق.. الحل الأهون
في ظل هذه الظروف، لا يبدو أمام الحكومة سوى خيار واحد؛ العودة الفورية لدعم الدقيق، مهما كلف ذلك.. فالدعم، رغم تكلفته، يبقى أهون بكثير من العواقب المترتبة على تركه.
فالخبز ليس سلعة عادية. إنه قوت ملايين السودانيين، وأي زيادة في سعره تعني مباشرة تقليص ما يتبقى من ميزانية الأسرة للغذاء والدواء والتعليم.
ومع نزوح أكثر من ثمانية ملايين شخص، وارتفاع معدلات الفقر، وتوقف التكايا الخيرية عن تقدم الطعام للمحتاجين بسبب الغلاء الذي أرهق ميزانية المتبرعين، فإن العبث بسعر الخبز ليس مجرد أزمة اقتصادية، بل هو تهديد أمني واجتماعي خطير.
العبث بقوت المواطن.. تهديد أمني خطير
التاريخ يعلّمنا أن أول ما يُشعل الشوارع هو الخبز.. فالخبز ليس سياسة، بل حق!.
والمخابز التي هددت بالتوقف، والمواطنون الذين يعجزون عن سد جوعة بطونهم بسبب غلاء سعر الخبز، والغضب الذي يتصاعد في الأسواق، كلها مؤشرات على أن الانفجار يمكن أن يأتي بأسرع مما تتوقع الدولة، إذا لم يتم احتواء الأزمة. الحكومة التي تتحدث عن أولوياتها للمواطن، عليها أن تثبت ذلك بأفعال لا ببيانات.
إنضم الى احدى مجموعاتنا على الواتس



