
تقرير: الطابية
في يوم واحد، ارتكبت المليشيا جريمتين بدم بارد. الأولى في منطقة أبو شندي بمحافظة ود الماحي بولاية النيل الأزرق، حيث استهدفت مسيّرة تابعة للمليشيا تجمعاً للنازحين، فقتلت 31 مدنياً وأصابت 19 آخرين، بينهم نساء. والثانية في مدينة الأبيض بشمال كردفان، حيث استهدفت المسيّرات أعياناً مدنية ومنازل مواطنين، في “اعتداء سافر” بحسب حكومة الولاية.
هجومان في يوم واحد، على مدنيين عزّل، في منطقتين متباعدتين، ليسا صدفة، بل هما حلقة في نمط متصاعد من استهداف المدنيين بشكل سافر ومتعمد.
النمط واضح؛ المسيّرات لا تستهدف مواقع عسكرية، بل تجمعات مدنية، ومنازل، ومؤسسات تعليمية وصحية. والأهداف المعلنة تتغير، لكن النتيجة واحدة: قتلى من المدنيين العزل، ونزوح جديد، ورعب دائم.
من جبهات القتال إلى تجمعات النازحين
في أبو شندي غادر النازحون مناطقهم بحثاً عن الأمان فوجدوا أنفسهم أمام هجوم جديد في موقع لجأوا إليه هرباً من الحرب، وفق إفادة شبكة أطباء السودان.
ويختلف استهداف تجمع للنازحين عن ضرب موقع عسكري أو قافلة إمداد لوجستي، فالأمر يعني أن المليشيا التي عجزت عن مواجهة من يملك السلاح، إلى معاقبة المدنيين العُزل، ومحاربة أسباب الحياة، وهي استراتيجية ظلت تتبعها في كل مكان تجرعت فيه طعم الهزيمة.
وفي الأبيض، لا يبدو الهجوم حادثاً معزولاً عن سياق أوسع؛ إذ تكررت ضربات المسيّرات على المدينة خلال الأسابيع الماضية، وشملت، وفق تقارير سابقة، مواقع مدنية وتعليمية ومراكز لإيواء النازحين. ففي 25 سبتمبر الماضي، أعلنت السلطات مقتل مدنيين وإصابة 20 آخرين في هجوم استهدف مأوى للنازحين ومنشآت مدنية، بينما تحدثت تقارير لاحقة عن هجمات طالت مواقع مدنية أخرى في المدينة.
ويشير تكرار الهجمات إلى أن المليشيا تحمِّل المدنيين جريرة هزائمها، فتتعمد إنزال العقاب بهم سواء عبر القتل المباشر وإسقاط الضحايا، أو تعطيل الخدمات وتهديد المرافق التي يعتمدون عليها.
ما المغزى من الهجومين؟
تكرار ضربات المسيّرات على المناطق المأهولة، يؤكد أن الهجومين جزء من خطة عملياتية واحدة، لها عدد من الأهداف المحتملة.
أولاً: توسيع الضغط النفسي على السكان. فحين لا يضمن المواطن سلامته في منزله أو في مركز إيواء، يتراجع شعوره بالأمان، وتتزايد مخاوف النزوح مجدداً. ولا تقتصر آثار ذلك على الضحايا المباشرين، بل تمتد إلى أسر ومجتمعات بأكملها.
والهدف أيضاً هو خلق موجات نزوح جديدة. فحين يشعر المدنيون بأنهم غير آمنين حتى في مناطق بعيدة عن خطوط القتال، فإنهم سيفرون، تاركين مدنهم للفراغ، وممهدين الطريق لمزيد من التمدد. إنها حرب على الوجود المدني، لا على مواقع عسكرية.
ثانياً: إرباك الحياة المدنية. فالضربات المتكررة قد تعطل الدراسة والخدمات الصحية والأسواق وحركة النقل، وتفرض على السلطات المحلية استنزاف مواردها في الاستجابة للطوارئ بدلاً من توجيهها إلى الخدمات الأساسية.. وقد سبق أن وثقت تقارير عن الأبيض تأثير هجمات المسيّرات على منشآت تعليمية وخدمية وصحية.
ثالثاً: تعتقد المليشيا أن تنفيذ ضربات بعيدة عن خطوط الاشتباك المباشر، بما يفتح المجال لاستهداف مواقع داخل المدن ومناطق خلف الجبهات. لكن القدرة على الوصول إلى هذه المواقع لا تعني بالضرورة تحقيق مكسب عسكري مستدام، خصوصاً إذا كانت الضربات تقع على تجمعات مدنية ولا تغير موازين السيطرة على الأرض.
هل تستهدف الهجمات كسر إرادة المجتمع؟
تعوِّل المليشيا على أن يؤدي تكرار الضربات إلى نشر الخوف والضغط على.. مدنيون يُقتلون أو يُصابون، ونازحون يفقدون ما ظنوه ملاذاً آمناً، وأسر تضطر إلى مواجهة موجات جديدة من الخوف والتشرد.
فالمليشيا التي تتراجع عسكرياً، تريد أن تنتقم من المدنيين الذين صمدوا في مدنهم، ولم يهاجروا إلى مناطق سيطرتها. في الأبيض، صمد السكان لأشهر تحت الحصار، ورفضوا الاستسلام. وفي النيل الأزرق، احتضنت المجتمعات المحلية النازحين، ودعمت الجيش. ورد المليشيا على هذا الصمود ليس بالمعارك، بل بقصف المنازل والجامعات وتجمعات النازحين
إن استهداف المدنيين والأعيان المدنية، بهذه الصورة التي تخالف قواعد التمييز والتناسب والاحتياطات الواجبة، يشكل انتهاكاً خطيراً للقانون الدولي الإنساني، ويرقى إلى جريمة حرب مكتملة الأركان.
اختبار لمسؤولية الدولة في حماية المدنيين
تضع الهجمات المتزامنة في النيل الأزرق وشمال كردفان مسؤولية الدولة في حماية المدنيين أمام اختبار عاجل، لا سيما في مناطق النزوح والمدن التي تتكرر فيها الضربات الجوية. ويشمل ذلك تحسين الإنذار المبكر، وتأمين مواقع الإيواء، وتسهيل إجلاء المصابين، وتوثيق مواقع الضربات والخسائر والأدلة الفنية، مع إتاحة الوصول للمحققين والجهات الإنسانية.
ما حدث اليوم هو جريمة حرب مكتملة الأركان، ترتكب بشكل متعمد ومنهجي. والضحايا ليسوا أرقاماً في تقرير، بل أرواح بشر كانوا يبحثون عن الأمان.. والمليشيا التي تمارس هذا الإرهاب حتى الآن لم تحاسب، ولم تُدرج كمنظمة إرهابية، ولم تُفرض عليها عقوبات شاملة. والمسيّرات التي تقتل المدنيين تأتي عبر الحدود، عبر شبكات إمداد معروفة، لكن المجتمع الدولي يكتفي بالإدانات، ويترك الجيش السوداني يقاتل وحيداً.. في الوقت الذي يستمر فيه مجلس الأمن في اتباع أسلوب التعامي عن حقائق الأرض، وتجاهل الجرائم وشبكات الإمداد داعمي المليشيا.
إن الرسالة التي ستصل للمليشيا واضحة: يمكنك القتل، ويمكنك القصف، ولن يحدث لك شيء.. وهي لم يعد لديها ما تخسره، ولا ما تخاف عليه، فهط تعرف أن نهايتها قادمة، وتحاول أن تأخذ معها أكبر عدد من الأبرياء.
إنضم الى احدى مجموعاتنا على الواتس



