تقاريرسياسة

إثيوبيا تحجب كهرباءها عن السودان..أزمة طاقة تتفاقم وسط توترات سياسية

 

تقرير: الطابية

لفتت وزارة الطاقة والنفط السودانية الأنظار إلى إثيوبيا، بعدما أكدت في بيان، صدر الثلاثاء، أن من بين الأسباب الرئيسية لاستمرار قطوعات الكهرباء التي يعاني منها السودان، توقف الإمداد عبر خط الربط الإثيوبي.
جاء ذلك في أعقاب إعلان أديس أبابا وقف تصدير الكهرباء إلى السودان لمدة شهرين، بالتزامن مع خفض الكميات المصدرة إلى جيبوتي بنسبة 50%، الأمر الذي أثار تساؤلات حول ما إذا كان القرار يعود إلى أسباب فنية مرتبطة بإنتاج الكهرباء، أم أنه يحمل أبعاداً سياسية في ظل التوتر القائم بين الخرطوم وأديس أبابا.
وبينما تتمسك إثيوبيا بتفسير القرار على أنه إجراء مؤقت فرضته أزمة إنتاج الطاقة، يرى مراقبون أن توقيت الخطوة جعلها محل تكهنات سياسية، خاصة في ظل تعقيدات العلاقة بين البلدين خلال الأشهر الأخيرة.

مبررات إثيوبية.. أزمة مياه وإنتاج

تعود هذه الخطوة الإثيوبية إلى مايو الماضي، عندما أعلن وزير المياه والري والطاقة أن البلاد تواجه نقصاً حاداً في المياه داخل السدود نتيجة ضعف الأمطار، الأمر الذي تسبب في عجز يتراوح بين 400 و1000 ميغاواط من الكهرباء.
وأكد الوزير حينها أن الأولوية ستكون لتغطية الطلب المحلي، وهو ما استدعى تعليق الإمداد للسودان وتقليص الصادرات إلى بعض الدول المجاورة.
ويعزز قرار خفض الإمداد إلى جيبوتي أيضاً الرواية الإثيوبية بأن الأزمة ليست موجهة ضد السودان وحده، وإنما ترتبط بانخفاض إنتاج الكهرباء بصورة عامة.
وأوضح الوزير أن العائد السنوي من تصدير الكهرباء إلى جيبوتي والسودان يبلغ 180 مليون دولار، لكن الأولوية أصبحت لسد الفجوة في الإمدادات المحلية على حساب التصدير.

هل للأزمة بعد سياسي؟

رغم التعليلات الفنية، لكن أجواء التوتر في علاقات البلدين أضفى ظلالاً سياسية على المسألة، خصوصًا الاتهامات المتبادلة بإزكاء التمردات المسلحة في البلدين، بالإضافة إلى الملفات الخلافية مثل سد النهضة، والحدود، إلى جانب تباينات المواقف بشأن عدد من القضايا الإقليمية.
ولكن الواقع أنه لا توجد حتى الآن مؤشرات حقيقية أو رسمية تدعو للاعتقاد بأن وقف الإمداد جاء كإجراء سياسي أو عقابي، خاصة أن إثيوبيا خفضت كذلك صادراتها إلى جيبوتي، وهو ما يضعف فرضية الاستهداف المباشر للسودان، وإن كان لا ينفي احتمال تأثر القرار بالمناخ السياسي العام.

تاريخ من الانقطاعات المتكررة

يعود تاريخ الربط الكهربائي بين البلدين إلى أغسطس 2009، عندما وقّع السودان وإثيوبيا اتفاقية شراء الكهرباء، وبدأ تشييد الخط الناقل بينهما. وفي ديسمبر 2013، افتتح الرئيس السوداني المعزول عمر البشير ورئيس الوزراء الإثيوبي السابق هايلي مريم ديسيلين الخط الناقل بولاية القضارف.
الاتفاق نص على شراء السودان 100 ميغاواط من قدرة الخط البالغة 300 ميغاواط، ثم ارتفعت إلى 200 ميغاواط، وفي أكتوبر 2016 إلى 300 ميغاواط. لكن في السنوات الأخيرة، تراجعت الكمية الفعلية بشكل كبير، إذ أشارت مصادر سودانية إلى أن الحصة تقلصت من 150 ميغاواط لكل دائرة (إجمالي 300) إلى 40 ميغاواط فقط في دائرة واحدة خلال الأشهر الأربعة الأخيرة.
وهذه ليست المرة الأولى التي تتوقف فيها الإمدادات؛ إذ تكرر الأمر مرات عديدة على مدى السنوات الماضية، غالبًا بسبب شح الأمطار ونقص إنتاج السدود.. كما واجهت الشبكة الإثيوبية خلال السنوات الماضية انقطاعات واسعة (Blackout)، انعكست بصورة مباشرة على استقرار الإمداد للسودان.

ما حجم التأثير على السودان؟

عملياً، يبدو أن تأثير القرار أقل مما توحي به العناوين، فالإمداد الإثيوبي كان قد تراجع إلى مستويات متدنية للغاية قبل أشهر، وبالتالي فإن توقفه الكامل لا يمثل فقداناً لكمية كبيرة مقارنة بما كان يصل فعلياً إلى الشبكة السودانية.
لكن المشكلة تكمن في أن الشبكة الكهربائية السودانية تعاني أصلاً من نقص في الإنتاج بسبب الحرب والأعطال وخروج عدد من المحطات عن الخدمة، ما يجعل فقدان أي مصدر إضافي للكهرباء يزيد من الضغوط على الإمداد ويطيل ساعات القطوعات.

هل يعوض الربط المصري الفجوة؟

كان السودان يعول على مشروع الربط الكهربائي مع مصر لسد جزء من النقص. غير أن مصادر سودانية أشارت إلى أن القاهرة كانت قد وعدت برفع الإمداد إلى نحو 300 ميغاواط، قبل أن تتراجع لاحقاً، ليظل ما يصل فعلياً في حدود 50 ميغاواط فقط، بسبب اعتبارات فنية تتعلق بالشبكة والمحولات.
وبذلك، فإن الربط المصري لا يزال غير قادر في وضعه الحالي على تعويض الفاقد الناتج عن توقف الإمداد الإثيوبي.

ما المطلوب؟

تكشف الأزمة مجدداً هشاشة اعتماد السودان على مصادر خارجية للكهرباء، وهو ما يفرض عدة أولويات، أبرزها:
الإسراع في إعادة تأهيل محطات التوليد المحلية التي تضررت بالحرب.
تنويع مصادر الطاقة وعدم الاعتماد على دولة واحدة في استيراد الكهرباء.
تطوير الربط الكهربائي مع دول الجوار ضمن اتفاقيات أكثر استقراراً.
التوسع في مشروعات الطاقة الشمسية والطاقات المتجددة، خاصة في الولايات البعيدة عن الشبكة القومية.
تعزيز التنسيق الفني والدبلوماسي مع إثيوبيا لتجنب تكرار الانقطاعات المفاجئة.

أزمة متكررة تحتاج إلى حل دائم

تكشف أزمة الربط الكهربائي مع إثيوبيا أن السودان لا يواجه مجرد انقطاع مؤقت للكهرباء، بل يواجه تحدياً استراتيجياً يتعلق بأمن الطاقة.
ورغم أن المؤشرات الحالية ترجح أن الأسباب الفنية المرتبطة بانخفاض إنتاج الكهرباء في إثيوبيا هي العامل الرئيسي وراء القرار، فإن استمرار التوتر السياسي بين البلدين يجعل أي أزمة فنية قابلة للتحول سريعاً إلى أزمة سياسية.
ولهذا، فإن الحل الأكثر استدامة لا يكمن في انتظار عودة الكهرباء الإثيوبية، وإنما في إعادة بناء قطاع الكهرباء السوداني ليصبح أقل اعتماداً على الخارج وأكثر قدرة على مواجهة الأزمات، سواء كانت مناخية أو سياسية.

إنضم الى احدى مجموعاتنا على الواتس

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى