اقتصادتقارير

أزمة بين عملتين.. لماذا ينهار الجنيه السوداني أمام الجنيه المصري بشكل مختلف؟

 

تقرير: الطابية

في الأسابيع الأخيرة، شهد الجنيه السوداني انخفاضاً حاداً أمام نظيره المصري، فاق في وتيرته انهياره أمام الدولار والعملات الأجنبية الرئيسية. هذا الانزلاق المتسارع أثار ذعر آلاف التجار والمغتربين والمرضى السودانيين الذين يعتمدون على الجنيه المصري في معاملاتهم اليومية، وطرح سؤالاً محورياً: هل ما يحدث هو مجرد انعكاس طبيعي ومنطقي لأزمة العملة السودانية الخانقة، أم أن ثمة عوامل خاصة ومستقلة تضاعف من حدة الانهيار أمام الجنيه المصري تحديداً؟
الإجابة، كما يكشف التحليل، ليست بسيطة. فما يحدث هو نتيجة تداخل معقد بين عوامل هيكلية عامة تنخر في جسد الاقتصاد السوداني، وعوامل ثنائية خاصة بطبيعة العلاقة الاقتصادية بين السودان ومصر، وعوامل مصرية داخلية تجعل من الجنيه المصري سلعة مختلفة عن الدولار في السوق السودانية.

لماذا ينهار الجنيه السوداني أصلاً؟

قبل تفكيك العلاقة الخاصة مع الجنيه المصري، لا بد من فهم أساس الأزمة. الجنيه السوداني فقد أكثر من 300% من قيمته أمام الدولار منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، وهناك أسباب واضحة لذلك:
· انهيار الإنتاج والصادرات: الحرب دمرت المصانع، وعطلت الزراعة في مساحات شاسعة، وأخرجت الذهب من القنوات الرسمية إلى التهريب. النتيجة: شح في النقد الأجنبي.
· فجوة استيرادية ضخمة: فاتورة استيراد الوقود والقمح والدواء تفوق بكثير ما تجنيه الدولة من صادرات. هذا العجز يُموَّل عبر طباعة النقود أو الاقتراض، مما يفقد العملة قيمتها.
· تحويلات المغتربين خارج القنوات الرسمية: معظم تحويلات السودانيين بالخارج تمر عبر السوق الموازي، مما يحرم البنك المركزي من العملة الصعبة ويزيد الطلب على الدولار في السوق السوداء.
· المضاربة والاحتكار: في ظل غياب الرقابة وضعف الثقة، يتحول الدولار (والعملات الأجنبية عموماً) إلى سلعة للمضاربة، لا مجرد وسيط للتبادل التجاري.
هذه العوامل تفسر الانهيار العام للجنيه السوداني. لكنها لا تفسر لماذا ينهار أمام الجنيه المصري تحديداً بوتيرة أسرع من انهياره أمام الدولار نفسه في بعض الفترات.

لماذا الجنية المصري بالذات؟

هناك أربعة عوامل على الأقل تجعل من سعر صرف الجنيه السوداني أمام المصري قصة مختلفة:
1. الاعتماد الكثيف على الواردات المصرية: خلال الحرب، تحولت مصر إلى شريك تجاري أول للسودان. البيانات تشير إلى أن قيمة الصادرات المصرية للسودان قفزت بنسبة 129% في عام 2024، لتصبح مصر ثاني أكبر مصدر للسلع إلى السودان بعد الإمارات. مواد البناء، الأغذية، الأدوية، الأجهزة الكهربائية، كلها تأتي من مصر. هذا التدفق السلعي الهائل يخلق طلباً متزايداً ومستداماً على الجنيه المصري من قبل التجار السودانيين لتسوية فواتير الاستيراد، طلب يتجاوز بكثير العرض المتاح من العملة المصرية.
2. تحويلات المغتربين والمرضى والطلاب: آلاف السودانيين يقيمون حالياً في مصر (لاجئين، مرضى، طلاب، عائلات). هؤلاء يتلقون تحويلات من ذويهم بالدولار أو الريال، ويحتاجون إلى تحويلها إلى جنيهات مصرية للإنفاق. هذا يخلق سوقاً موازية ضخمة للجنية المصري في السودان، حيث يشتري المغتربون وأسرهم الجنيه المصري بأي ثمن، مما يضغط على سعره للأعلى.
3. تجارة الذهب العابرة: مصر تُعد أحد منافذ تهريب الذهب السوداني. تجار الذهب الذين يهربون المعدن من مناطق سيطرة المليشيا أو من مناطق التعدين الأهلي، يحصلون على جزء من عوائدهم بالجنيه المصري. هذا يخلق تدفقات مالية معقدة، ويجعل الجنيه المصري عملة مطلوبة في أسواق التهريب والاقتصاد الموازي.
4. غياب التنسيق المصرفي بين البلدين: على عكس العلاقة مع دول الخليج حيث توجد قنوات مصرفية راسخة للتحويلات، تظل العلاقة المصرفية بين السودان ومصر ضعيفة ومحدودة. معظم التعاملات تتم نقداً أو عبر وسطاء، مما يجعل سعر الصرف خاضعاً بالكامل لآليات السوق الموازي، بلا أي تدخل من البنكين المركزيين لضبط الإيقاع.

ماذا يحدث للجنيه المصري نفسه؟

هنا تكمن مفارقة لافتة؛ الجنيه المصري نفسه يعاني من أزمة. فمنذ تعويم مارس 2024، فقد الجنيه المصري نحو 60% من قيمته أمام الدولار. فلماذا إذن يرتفع أمام الجنيه السوداني؟
الإجابة تكمن في “نسبية الانهيار”. صحيح أن الجنيه المصري ضعيف، لكنه لا يزال عملة دولة مستقرة نسبياً، لديها بنك مركزي قادر على التدخل، واقتصاد متنوع، واحتياطي نقدي (وإن كان منقوصاً)، ودعم إقليمي ودولي. أما الجنيه السوداني فهو عملة دولة في حالة حرب، فقدت معظم مصادر نقدها الأجنبي، وتطبع النقود بلا غطاء. باختصار: الجنيه المصري مريض، لكن الجنيه السوداني يحتضر. وبالتالي، حتى العملة المصرية الضعيفة تصبح “ملاذاً آمناً” نسبياً أمام العملة السودانية المنهارة.
كما أن ارتفاع التضخم في مصر (الذي تجاوز 30% في بعض الفترات) يعني أن السلع المصرية تصبح أغلى، مما يزيد من قيمة الفاتورة الاستيرادية للسودان، وبالتالي يزيد الطلب على الجنيه المصري. إنها حلقة مفرغة: التضخم في مصر يرفع أسعار السلع المصرية، فيحتاج التاجر السوداني إلى جنيهات مصرية أكثر لشراء نفس الكمية، فيزيد الطلب على العملة المصرية، فيرتفع سعرها أكثر.

عوامل موسمية وسياسية؟

لا يمكن إغفال العوامل الموسمية. فالصيف هو موسم سفر العائلات السودانية إلى مصر هرباً من حرارة الخليج أو لقضاء الإجازات. هذا يزيد الطلب على الجنيه المصري موسمياً. كما أن الإجازات المدرسية في السودان تدفع العائلات للذهاب إلى مصر، مما يضيف مزيداً من الضغط.
وعلى المستوى السياسي، أي توتر بين الخرطوم والقاهرة، أو أي تصريحات حول ملفات خلافية (مثل سد النهضة، أو دعم المليشيا، أو أوضاع اللاجئين السودانيين في مصر)، يمكن أن تؤثر على ثقة المتعاملين، وتزيد من المضاربة على العملة المصرية.

إلى أين يتجه المسار؟

في المدى المنظور، لا توجد مؤشرات على تحسن سعر الجنيه السوداني أمام المصري، بل العكس هو المرجح، وذلك للأسباب التالية:
· استمرار الحرب: يعني استمرار انهيار الإنتاج والصادرات، واستمرار طباعة النقود.
· استمرار الاعتماد على الواردات المصرية: لا بديل قريباً عن السوق المصرية، خاصة مع اضطراب الملاحة في البحر الأحمر وصعوبة الاستيراد من آسيا.
· عدم وجود تدخل مصرفي منظم: لا البنك المركزي السوداني ولا البنك المركزي المصري يتدخلان لدعم سعر الصرف بين العملتين، مما يترك السوق فريسة للمضاربة.
· عودة المغتربين والمرضى: مع استمرار تدفق السودانيين إلى مصر، سيبقى الطلب مرتفعاً.

إجراءات غير تقليدية للحل

الحلول الممكنة تتطلب للأزمة تتطلب إجراءات غير تقليدية، على سبيل المثال:
· اتفاقية مقايضة بين البنكين المركزيين: تسمح بتبادل السلع دون الحاجة إلى عملة صعبة.
· فتح قنوات مصرفية مباشرة: لتسهيل التحويلات بأسعار صرف رسمية مدعومة جزئياً.
· تشجيع الصادرات السودانية إلى مصر: لتوفير مصدر للجنيه المصري بدلاً من الاعتماد على السوق الموازي.
· تنظيم سوق التحويلات: عبر منصات رقمية رسمية تنافس السوق الموازي.

مرآة مشروخة تعكس أزمتين

انهيار الجنيه السوداني أمام الجنيه المصري ليس مجرد انعكاس طبيعي لأزمة الاقتصاد السوداني فحسب، بل هو نتيجة تداخل أزمتين: أزمة السودان الهيكلية التي أفقدت عملته قيمتها، وأزمة مصر الاقتصادية التي تجعل سلعها أغلى وعملتها مطلوبة أكثر. وبين الأزمتين، يقف التاجر السوداني الذي يحتاج إلى جنيهات مصرية لشراء الأسمنت والدواء، والمغترب الذي يريد تحويل راتبه إلى أسرته في القاهرة، والمريض الذي يبحث عن علاج في مستشفيات مصر. كل هؤلاء هم الوقود البشري الذي يحرق العملة السودانية في مواجهة نظيرتها المصرية.
إنها معادلة قاسية: كلما زاد اعتماد السودانيين على مصر، ارتفع سعر عملتها في السودان. وكلما ارتفع سعرها، ازدادت معاناتهم. ولن تنكسر هذه الحلقة إلا بوقف الحرب، واستعادة الإنتاج، وبناء نظام مصرفي يربط البلدين برباط المصالح المشتركة، لا برباط المضاربة والأسواق الموازية.

إنضم الى احدى مجموعاتنا على الواتس

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى