اقتصادتقارير

رسائل التفاؤل والأمل.. هل يعود مشروع الجزيرة لموقعه كقاطرة للاقتصاد السوداني؟ 

 

تقرير : الطابية

 

في وقت يواجه فيه السودان واحدة من أصعب أزماته الاقتصادية، أطلق مزارعو مشروع الجزيرة صيحتهم المشبعة بالتفاؤل والطموح “سنمزق فاتورة استيراد القمح هذا العام”.. لتعود الأنظار مجدداً إلى أكبر مشروع زراعي زراعي مروي في البلاد، وذلك بعد إعلان إدارته خطة طموحة لزراعة نحو 600 ألف فدان من القمح و450 ألف فدان من الذرة خلال الموسمين الصيفي والشتوي، وسط تأكيدات بأن المشروع قادر على الإسهام في تقليص فاتورة استيراد القمح، وربما الاقتراب من تحقيق الاكتفاء الذاتي.

وتتجاوز هذه التصريحات مجرد الإعلان عن مساحات زراعية، إذ تعكس محاولة لإعادة المشروع إلى موقعه التاريخي كقاطرة للاقتصاد الوطني، بعد سنوات من التراجع، ثم الدمار الذي خلفته الحرب.

 

القمح.. رهان الأمن الغذائي

 

يأتي التركيز على القمح في وقت يستهلك فيه السودان مئات الملايين من الدولارات سنوياً لاستيراده، في ظل تراجع موارد النقد الأجنبي وارتفاع أسعار الغذاء عالمياً.

ويرى القائمون على المشروع أن نجاح زراعة 600 ألف فدان، مع استخدام أصناف محسنة مثل صنف “إمام” الذي حقق إنتاجية مرتفعة في التجارب، يمكن أن يحدث تحولاً مهماً في ميزان الأمن الغذائي، ويخفف الضغط على احتياطات النقد الأجنبي.

لكن الوصول إلى مرحلة “تمزيق فاتورة الاستيراد” سيظل مرهوناً بحجم الإنتاج الفعلي، وكفاءة الحصاد، وتوفر التمويل ومدخلات الإنتاج حتى نهاية الموسم.

 

رسائل طمأنة بشأن المياه

 

تزامنت خطة التوسع الزراعي مع مخاوف أثارتها التقارير حول تذبذب مناسيب النيل الأزرق، إلا أن إدارة المشروع سارعت إلى التأكيد بأن الإمداد المائي مستقر، وأن التصريف الحالي البالغ 34 مليون متر مكعب يغطي احتياجات الموسم.

كما أوضحت أن المشروع يعتمد على الري التكميلي، ما يقلل الاعتماد الكامل على تدفقات النيل، ويسمح بترشيد استخدام المياه وفق احتياجات المحاصيل.

وتحمل هذه التصريحات رسالة واضحة للمزارعين والممولين مفادها أن أزمة المياه لن تكون عائقاً أمام الموسم الزراعي.

 

إعادة بناء ما دمرته الحرب

 

لا تخفي إدارة المشروع حجم الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية خلال الحرب، لكنها تؤكد في المقابل أن أعمال الصيانة والتأهيل تسير بوتيرة متقدمة.

وشملت هذه الأعمال تطهير الترع والمصارف، وصيانة القناطر، وإدخال مضخات جديدة، والتوسع في كهربة بعض مناطق الري، بما يسهم في تقليل تكاليف التشغيل ورفع كفاءة الإمداد المائي.

وتعكس هذه الجهود محاولة لإعادة المشروع تدريجياً إلى قدرته التشغيلية بعد أشهر من التعطل.

ورغم التفاؤل، يبقى التمويل العامل الأكثر تأثيراً في نجاح الخطة الزراعية.. لكن إدارة المشروع تؤكد وجود ترتيبات مع شركات كبرى لتمويل الموسم الشتوي، في ظل قناعة بأن الظروف الاقتصادية الحالية لا تحتمل تعثر الإنتاج.

كما أن توفير الوقود والأسمدة والتقاوي في الوقت المناسب سيحدد إلى بدرجة كبيرة قدرة المشروع على تحقيق الإنتاجية المستهدفة.

 

هل يكفي المشروع وحده؟

 

يمثل مشروع الجزيرة أكبر قاعدة زراعية مروية في السودان، لكنه ليس وحده القادر على تحقيق الأمن الغذائي.

فالنجاح الحقيقي يتطلب تكامل الإنتاج في الجزيرة مع المشاريع الزراعية في القضارف، وسنار، والنيل الأبيض، والشمالية، بما يضمن زيادة الإنتاج الوطني وتقليل الاعتماد على الواردات. وهنا يبرز دور الدولة في التخطيط الاقتصادي الشامل، والتحول عن سياسة إطفاء الحرائق وإدارة الأزمات، والاعتماد على الحلول الأسهل في توسيع مظلة الجبايات، واستهلاك الموارد الناضبة، إلى الاعتماد على الموارد المتجددة مثل الزراعة التي ظلت تحمل الاقتصاد السوداني منذ ميلاده، وصلت به في بعض الحقب إلى ذرى الرفاهية.

 

بين الطموح والواقع

 

تعكس تصريحات مسؤولي مشروع الجزيرة قدراً من الثقة في قدرة المشروع على استعادة دوره الاقتصادي، مستندة إلى تحسن أوضاع الري، واستمرار أعمال التأهيل، والتوسع في زراعة القمح والذرة.

لكن نجاح هذه الرؤية سيظل مرتبطاً بتجاوز تحديات التمويل، واستقرار الأوضاع الأمنية، وضمان انسياب مدخلات الإنتاج، إلى جانب توفير سياسات تسويقية مجزية للمزارعين.

فإذا نجحت هذه العناصر في التكامل، فقد يستعيد مشروع الجزيرة مكانته بوصفه أحد أهم مفاتيح التعافي الاقتصادي في السودان، ويصبح بالفعل ركيزة لتقليل فاتورة الاستيراد وتعزيز الأمن الغذائي في مرحلة ما بعد الحرب.

إنضم الى احدى مجموعاتنا على الواتس

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى