
تقرير: الطابية
في تطور أثار موجة من الإدانة الدولية، كشف تحقيق استقصائي أن قائد قوات الدعـ م السـ ريع، الفاتح عبد الله إدريس، المعروف بلقب “أبو لولو” أو “سفاح الفاشر”، قد عاد إلى الخدمة العسكرية في جبهات القتال بإقليم كردفان. يأتي ذلك بعد أشهر قليلة من اعتقاله على خلفية ظهوره في مقاطع فيديو وهو يعدم مدنيين عُزّل، مما أثار غضباً عالمياً وأدى إلى فرض عقوبات دولية عليه.
من هو المجرم “أبو لولو”
الفاتح عبد الله إدريس، المُكنّى “أبو لولو”، هو قائد ميداني برتبة عميد في مليشيا الدعـ م السـ ريع . ينحدر من “الماهرية” نفس قبيلة قائد المليشيا حميدتي، مما يمنحه ثقلاً قبلياً داخل المليشيا.
ترجع شهرة أبو لولو إلى المذابح التي ارتكبها أثناء الهجوم على مدينة الفاشر في أكتوبر 2025. وتُظهر أربعة مقاطع فيديو على الأقل، حللتها وكالة رويترز وتأكدت من صحتها، “أبو لولو” وهو يعدم ما لا يقل عن 15 شخصاً غير مسلحين كانوا يرتدون ملابس مدنية، وهو ما يُصنف كجريمة حرب بموجب القانون الدولي، فضلاً عن تباهيه بقتل أكثر من ألف شخص بدم بارد، اعتزامه أن يكمل العدد إلى ألفين. بسبب هذه الأفعال، أطلق عليه لقب “سفاح الفاشر”، وهو اللقب الذي استخدمه مجلس الأمن الدولي ذاته عندما فرض عليه عقوبات في 24 فبراير 2026.
كما وثّقت شهادات ناجين فروا إلى مخيمات اللاجئين في تشاد تفاصيل مروعة عن فظائعه، منها إعدامه عشرة أطفال بعد أن أجبرهم على ترديد شعارات لقوات الدعم السريع، وإطلاقه سبع رصاصات على بطن امرأة حامل في شهرها السابع.
العودة إلى القتال
وفقاً لتحقيق أجرته وكالة “رويترز”، ونُشر في مايو 2026، فقد شوهد “أبو لولو” على أرض المعركة في إقليم كردفان في مارس من نفس العام. واستند التقرير إلى شهادات 13 مصدراً، من بينهم ثلاثة من قادة قوات الدعـ م السـ ريع، وضابط في القوة، وأحد أقارب أبو لولو، وضابط عسكري تشادي مقرب من القيادة.
ونقلت المصادر أن ضباطاً في قوات الدعـ م السـ ريع توسلوا لإعادته إلى الميدان لرفع معنويات قواتهم المنهكة في معارك ضارية هناك.
كشفت المصادر أن نائب قائد قوات الدعـ م السـ ريع، عبد الرحيم دقلو (شقيق حميدتي)، هو من أصدر شخصياً أمر الإفراج عن أبو لولو عبر رسالة لاسلكية. وأضافت أن القيادة أمرت الضباط الآخرين بالتزام الصمت بشأن عودته، واشترطت عليه ألا يقوم بالتصوير أو يُصور في ساحة المعركة خشية كشف أمره.
تأسيس تنفي
في المقابل، نفت المليشيا وحكومتها المزعومة (تأسيس) بشكل قاطع نبأ الإفراج عنه. وصرح المتحدث الرسمي، أحمد تقد لسان، بأن الحديث عن إطلاق سراح أبو لولو “غير صحيح، وخبيث، وكاذب تماماً”، مؤكداً أنه وبقية المتهمين لا يزالون محتجزين وسيمثلون أمام محكمة خاصة.
لماذا تترجح صحة تقرير رويترز
يتمتع تقرير رويترز بدرجة عالية من المصداقية لعدة أسباب:
1. تعدد المصادر وتنوعها: اعتمد التحقيق على 13 مصدراً مستقلاً، بينهم ثلاثة من قادة قوات الدعم السريع، وضابط في القوة ذاتها، وأحد أقارب أبو لولو، وضابط عسكري تشادي مقرب من قيادة القوات، بالإضافة إلى سبعة مصادر أخرى تملك اتصالات مع القيادة أو لديها إمكانية الوصول إلى معلومات استخباراتية حول العمليات الميدانية .
2. شهود عيان: أكد اثنان من المصادر – وهما مسؤول في الاستخبارات السودانية وأحد قادة قوات الدعم السريع – أنهما شاهدا أبو لولو شخصياً في ساحة المعركة بإقليم كردفان في مارس 2026 .
3. نمط موثق مسبقاً: سبق لقناة الجزيرة أن نشرت تقريراً في نوفمبر 2025 يفيد بإطلاق سراحه، استناداً إلى مقاطع فيديو على الإنترنت. وعندما سألت رويترز القناة عن ذلك التقرير لاحقاً، لم ترد الجزيرة على الاستفسار . يضفي هذا السبق اتساقاً على رواية الإفراج عنه.
4. النفي الرسمي غير المدعوم: تنفي قوات الدعم السريع وحكومتها (تأسيس) الإفراج عنه، وتؤكد أنه لا يزال محتجزاً وسيمثل أمام محكمة خاصة . لكنها لم تقدم أي دليل مادي حديث يثبت استمرار احتجازه، مثل صورة أو فيديو حديث له داخل السجن، مكتفية بالنفي اللفظي ووصف التقرير بأنه “حملة تضليل” .
دلالات إطلاق سراح أبو لولو:
يحمل قرار الإفراج عن أبو لولو، دلالات واضحة، على طبيعة المليشيا الوحشية، التي لا ترى في الجريمة عيباً، بل قيمة إضافية يمكن أن ترتفع المجرم إلى مصاف البطولة.. إلى جانب ذلك، لا يخلو الأمر من عواقب ليست في صالح المليشيا، ولم تحسب لها حساباً، كما يكشف كيف تدار الأمور داخل غرف قيادة المليشيا.. من أهم الدلالات:
1. انهيار ادعاء المساءلة الداخلية، الذي تتمشدق به المليشيا، حيث كان اعتقال أبو لولو في أكتوبر 2025 حجر الزاوية في سردية المليشيا بأنها تحاسب عناصرها. فقد أصدر حميدتي بياناً أقر فيه بـ”انتهاكات” في الفاشر، وتعهد بتشكيل لجنة للمساءلة. إطلاق سراح أحد أكثر رموز الفظائع وضوحاً، دون محاكمة، يُثبت أن هذا الاعتقال كان مجرد مناورة لامتصاص الغضب الدولي وليس خطوة حقيقية نحو العدالة. ويُظهر أن الاعتبارات العسكرية (الحاجة إليه في الجبهة) تطغى على أي التزام بالقيم والقانون أو بحقوق الإنسان.
2. ربط الإجرام بالبطولة: فعندما يعود قائد نفذ جرائمه على الملأ، وعلى شاشات الهواتف تحت سمع وبصر العالم، وصدرت بحقه عقوبات من مجلس الأمن واتُهم بجرائم حرب موثقة بالفيديو إلى القتال دون أي عواقب.. بل بمطالبات من القادة الميدانيين بعودة الرجل كبطل أسطوري قادر على تغيير واقع المعركة! فإن ذلك يبعث برسالة واضحة إلى جميع مقاتلي قوات الدعم السريع، لا خوف من ارتكاب الفظائع طالما أنك مقاتل فعال وتحظى بشعبية بين الجنود.. تصريح أحد مقاتلي القوات في فيديو سابق “إذا اختفى أبو لولو… فنحن جميعاً ألف أبو لولو” يتحول إلى حقيقة ميدانية مرعبة .
3. إفشال محاولات تأسيس لتحسين صورتها دولياً:
على الرغم من سعيها للحصول على اعتراف سياسي، تأتي هذه الفضيحة لتؤكد أنها ميليشيا خارجة عن القانون.. وبالتالي تؤدي إلى تعميق عزلة المليشيا دولياً، وتصب في اتجاه فرض مزيد من العقوبات عليها.. لكنها في المقابل تُظهر أن هذه العزلة والعقوبات تظل غير كافية لردع القيادة عن اتخاذ قرارات تراها ضرورية عسكرياً.
4. انعكاس لطبيعة هيكل القيادة:
كون الأمر بالإفراج صدر عن عبد الرحيم دقلو شخصياً، متجاوزاً اللجنة التأديبية، يكشف أن هيكل القيادة قائم على السلطة الشخصية والعائلية لا على المؤسسية أو سيادة القانون!.. القرارات الحاسمة تُتخذ بناءً على الاحتياجات العسكرية والولاءات العشائرية، وليس بناءً على أي مبادئ قانونية أو أخلاقية.
ردود الفعل الدولية
وصفت منظمة العفو الدولية عودة أبو لولو إلى القتال بأنها “مثيرة للجزع”، وأكدت أن حدوث ذلك دون أي تحقيق في الاتهامات الموجهة إليه يمثل كارثة أخلاقية وقانونية. وطالبت المنظمة قيادة قوات الدعم السريع بإبعاده الفوري عن ساحة المعركة وتسليمه لآلية قضائية مستقلة لضمان محاسبته على جرائمه .
تسلط قصة “أبو لولو” الضوء على ظاهرة “الإفلات من العقاب وتطبيع الجريمة” السائدة في أوساط المليشيا الحرب.. وبينما تصر المليشيا رسمياً على أنه ما زال رهن الاحتجاز، تشير الأدلة القوية التي جمعها تحقيق رويترز – وعدد مصادرها وتنوعها وتطابق رواياتها – إلى أن أحد أكثر رموز الفظائع في الصراع قد عاد ليقاتل مجدداً. ويعني هذا الإطلاق، في جوهره، أن ضرورات الحرب لدى قوات الدعم السريع تتفوق على أي التزام بالعدالة، مما ينذر بمستقبل قاتم لضحايا الحرب ويقوض أي أمل في محاسبة المسؤولين عن أبشع الجرائم.
إنضم الى احدى مجموعاتنا على الواتس



