
تقرير: الطابية
على امتداد ثلاث سنوات من الحرب في السودان، تحولت قضية المفقودين إلى واحدة من أكثر المآسي الإنسانية تعقيداً وغموضاً، مع اتساع رقعة النزاع، وانهيار مؤسسات الدولة في مناطق واسعة، وسيطرة مليشيا الدعم السريع على مدن وأحياء كاملة شهدت عمليات اعتقال وخطف ونهب واسعة النطاق.
في منتصف أبريل 2026، أعلنت اللجنة الدولية للصليب الأحمر أن عدد المفقودين المسجلين تجاوز 11,000 شخص، بزيادة تفوق 40% خلال عام واحد، محذرة من أن الرقم الحقيقي “أعلى بكثير”. يقدم هذا التقرير تحليلاً معمقاً لهذه الأزمة الإنسانية والقانونية المتفاقمة، مستنداً إلى شهادات حية وتقارير حقوقية دولية.
أرقام تعكس عمق الكارثة
كشف تقرير اللجنة الدولية للصليب الأحمر الصادر في 14 أبريل 2026 بعنوان “ثمن التقاعس” أن حالات المفقودين المسجلة لديها بلغت 11,000 حالة، مسجلة زيادة بنسبة 40% خلال العام الأخير وحده. ويأتي هذا الرقم بعد أن كان العدد 7,700 حالة في سبتمبر 2025، مما يعكس تسارعاً مقلقاً في وتيرة الاختفاء القسري.
لكن جيمس رينولدز، نائب المدير الإقليمي للجنة الدولية، حذر من أن “الرقم الحقيقي أعلى بكثير”، مرجعاً الفجوة إلى محدودية الوصول إلى مناطق النزاع وانهيار شبكات الاتصالات.
وفي الخرطوم وحدها، تم انتشال 20,000 جثة من مناطق الاشتباكات والأحياء التي شهدت معارك عنيفة، دون تمكن السلطات من تحديد هوية أصحابها.. مما يعكس عمق المأساة الإنسانية التي تتجاوز بكثير الأرقام المسجلة.
لكن منظمات حقوقية وناشطين سودانيين، وفقاً لتقرير نشرته إندبندنت عربية، يرون أن الأرقام الحقيقية قد تكون أكبر بكثير، خاصة مع وجود آلاف المفقودين في مناطق سيطرة الدعم السريع، حيث تتهم المليشيا بإدارة شبكات احتجاز سرية وعمليات اختطاف واسعة، فضلاً عن المقابر الجماعية التي تم اكتشافها في دارفور ومناطق أخرى.
ولا يتوقف الأمر عند الاعتقال، بل يمتد إلى الابتزاز المنظم. شهود من شمال دارفور يروون كيف أُجبر المعتقلون على تسجيل الدخول إلى حساباتهم على فيسبوك والاتصال بعائلاتهم للتفاوض على فدية إطلاق سراحهم، بوجود عناصر من قوات الدعم السريع، وتراوحت المطالب بين 8 و15 مليون جنيه سوداني للشخص الواحد.
مراكز احتجاز سرية: نظام ممنهج للإخفاء القسري
تشير تقارير حقوقية دولية إلى أن ظاهرة الإخفاء القسري ارتبطت بصورة أساسية بالمناطق التي خضعت لسيطرة الدعم السريع، خاصة في دارفور والخرطوم والجزيرة.
وقد وثقت منظمات حقوقية وجود مراكز احتجاز سرية تديرها المليشيا في مدن عدة، احتُجز فيها مدنيون دون إجراءات قانونية، مع ورود شهادات عن ابتزاز الأسر مقابل إطلاق سراح ذويهم.
وفي شمال دارفور، تحدثت تقارير عن احتجاز آلاف المدنيين في ظروف قاسية داخل مرافق مؤقتة وحاويات معدنية.
وبعد سقوط الفاشر في أكتوبر 2025، وثقت شبكة دارفور لحقوق الإنسان وجود سبعة مراكز احتجاز تديرها قوات الدعم السريع، احتجز فيها نحو 10,000 مدني “دون تهمة، ودون تمثيل قانوني، ودون اتصال بعائلاتهم إلا عندما تطالب قوات الدعم السريع بفدية”. في سجن الميناء البَرّي، تم تكديس المعتقلين في حاويات شحن معدنية، 100 شخص في الحاوية الواحدة، تحت حرارة شديدة دون تهوية، حتى أصبح الموت روتيناً يومياً.
أما ما يثار أحياناً بشأن تحميل القوات المسلحة السودانية مسؤولية “الإخفاء القسري الممنهج”، فيفتقر ـ بحسب مراقبين ـ إلى التوازن، لعدة اعتبارات؛ أبرزها أن الجيش ظل يعمل بوصفه مؤسسة دولة نظامية تخوض حرباً ضد تمرد مسلح، وأن كثيراً من حالات التوقيف التي جرت في مناطق العمليات ارتبطت بظروف أمنية واستخباراتية معقدة فرضتها الحرب، خصوصاً مع انتشار الخلايا المتعاونة مع المليشيا داخل المدن.
كما أن المقارنة بين حالات توقيف محدودة تخضع ـ نظرياً ـ لمؤسسات الدولة، وبين شبكات الاحتجاز غير الرسمية التي تديرها المليشيا خارج أي إطار قانوني، تظل مقارنة غير دقيقة من حيث الطبيعة والحجم والسياق.
قبور جماعية وجهود دولية متعثرة
الوجه الآخر لأزمة المفقودين هي المقابر الجماعية. في يناير 2026، أبلغت المدعية العامة المساعدة للمحكمة الجنائية الدولية، نزهة شميم خان، مجلس الأمن أن الأدلة تشير إلى استخدام قوات الدعم السريع لمقابر جماعية لإخفاء جرائم حرب في الفاشر. وأكدت أن لقطات فيديو وصور أقمار صناعية تظهر عناصر من قوات الدعم السريع “يحتجزون ويعذبون ويعدمون مدنيين، ثم يحتفلون بعمليات القتل ويدنسون الجثث”.
هوة بين الحقيقة والأرقام
11,000 مفقود هو رقم يروي جزءاً يسيراً من مأساة أعمق. الناشطة الحقوقية وعضو مبادرة “مفقود” نمارق التجاني تشير إلى أن “ضعف جهود الرصد والتوثيق، إلى جانب اتساع رقعة النزاع وانقطاع الاتصالات، جعل من شبه المستحيل تتبع جميع حالات الاختفاء القسري بدقة”. وتشير تقارير أخرى إلى أن العدد الحقيقي قد يتجاوز 50,000 شخص.
يرى حقوقيون أن قضية المفقودين أصبحت واحدة من أخطر الملفات الإنسانية المرتبطة بالحرب السودانية، ليس فقط بسبب الأعداد الكبيرة، بل بسبب الأثر النفسي والاجتماعي العميق الذي يضرب عشرات الآلاف من الأسر.
ثلاث سنوات من الحرب لم تنتج فقط دماراً مادياً، بل تركت عشرات الآلاف من الأسر عالقة بين الرجاء واليأس، تبحث عن إجابات قد لا تأتي أبداً. ويظل حل أزمة المفقودين مرهوناً بإنهاء التمرد أولاً، ثم بآليات مساءلة حقيقية تكشف مصير الآلاف ممن ابتلعتهم آلة الحرب الصامتة.
إنضم الى احدى مجموعاتنا على الواتس



