اقتصادتقارير

تجاوز حاجز الـ 4000.. قفزات الدولار الجنونية تبتلع النمو الهش

 

تقرير : الطابية

 

تشهد أسواق النقد الموازية في السودان موجة صعود حادة للدولار، فقد سجل سعر صرفه قفزة تاريخية، حيث تراوح في السوق الموازي (السوق الأسود) بين 4000 و4200 جنيه للدولار الواحد خلال تعاملات اليوم 19 أبريل 2026، نتيجة لارتفاع الطلب على العملة الصعبة وتراجع المعروض بشكل حاد .

· السعر الرسمي (النظري): في المقابل، لا يزال البنك المركزي يُثبت سعر الصرف عند مستويات وهمية (آخر تحديث متاح يُظهر السعر الرسمي عند حوالي 447 جنيهاً للدولار) . بعد أن كان يتراوح في حدود 3500–3700 جنيه خلال مارس 2026.

هذه القفزة تعكس تسارعًا في وتيرة تدهور العملة، خاصة إذا ما قورنت بالسعر الرسمي في بنك السودان المركزي الذي لا يزال يدور حول 445 جنيهًا للدولار ، ما يكشف عن فجوة ضخمة بين السعرين تتجاوز الـ 800%.

الفارق بين السوق الرسمي والموازي لم يعد مجرد تشوه اقتصادي، بل أصبح مؤشرًا على فقدان السيطرة على سوق النقد الأجنبي.

 

لماذا يرتفع الدولار بهذا الشكل؟:

 

ارتفاع سعر الصرف في السودان لا يرتبط بعامل واحد، بل هو نتيجة تداخل عدة أزمات أهمها:

1. تآكل موارد النقد الأجنبي: نتيجة للحرب التي أدت إلى تعطّل الصادرات بدرجة كبيرة، وانخفاض التحويلات والاستثمارات، ما قلّص المعروض من الدولار.

2. اقتصاد الحرب: الذي من أبرز سماته زيادة الإنفاق العسكري وارتفاع الطلب على العملات الأجنبية لتمويل الإمدادات، مما يخلق ضغطًا إضافيًا على السوق.

3. توسع السوق الموازي: ففي ظل ضعف الجهاز المصرفي، أصبحت السوق الموازية هي المحدد الحقيقي للسعر، وليس المؤسسات الرسمية.

4. هذا بجانب العوامل الخارجية، حيث تصاعد الدولار عالميًا بفعل تداعيات الحرب الأمريكية الإسرائيلية مع إيران، وإغلاق مضيق هرمز، الذي أدى إلى ارتفاع أسعار الطاقة، وزاد الضغط على العملات الضعيفة، ومنها الجنيه السوداني.

 

نمو ضعيف مقابل انهيار نقدي:

 

أظهرت البيانات الرسمية تحقيق نسب نمو اقتصادي محدودة، فقد انخفض معدل التضخم إلى 40.22% في مارس مقارنة بـ 56.39% في فبراير.

لكن الضغوط على تكلفة المعيشة لا تزال قائمة، لارتباط معدلات النمو تلك بأنشطة غير منظمة رسمياً مثل التعدين الأهلي وبعض أنواع التجارة.

هذا النمو يبدو منفصلاً عن الواقع النقدي والمعيشية، والسبب أنه لا يعتمد على إنتاج حقيقي مستقر، بل يتركز في قطاعات غير منظمة، وبالتالي لا يولّد تدفقات نقد أجنبي كافية.. وعليه يمكن وصف الوضع بأنه “نمو بلا استقرار.

 

التأثيرات المباشرة على الاقتصاد والمجتمع:

 

تجاوز هذا المستوى من سعر الصرف يشير إلى مرحلة أخطر، من ملامحها، توقع موجات تضخمية جديدة، فكل ارتفاع في الدولار ينعكس فورًا على أسعار السلع، خاصة المستوردة، ما يؤدي إلى تآكل القوة الشرائية، وتآكل الدخول،حيث تفقد الرواتب الثابتة قيمتها بسرعة، ما يزيد من معدلات الفقر.

هذا بجانب اتساع التعامل بالدولار خارج الأطر الرسمية، مع اضطراب الأسواق؛ الاضطرار التجار للتعامل بسعر صرف غير مستقر، ما يخلق حالة من التذبذب والفوضى السعرية، وتعميق الفجوة بين الاقتصاد الرسمي والفعلي.

كما يؤدي غياب سعر صرف مستقر إلى صعوبة التخطيط الاقتصادي، ويجعل أي سياسات اقتصادية قصيرة الأجل وغير فعالة.

في ظل استمرار الحرب وضعف المؤسسات، يبدو أن أزمة سعر الصرف مرشحة لمزيد من التصاعد، ما لم تُتخذ إجراءات هيكلية تعيد التوازن بين الإنتاج والنقد والاستقرار المالي.

 

تدابير إسعافية:

 

يمكن للحكومة السودانية الحد من تدهور العملة عبر حزمة متكاملة تشمل ضبط العجز المالي وتقليل الاستدانة من النظام المصرفي، والتحرك نحو سعر صرف واقعي يقلص الفجوة مع السوق الموازي، إلى جانب تعزيز موارد النقد الأجنبي عبر إحكام تصدير الذهب وتشجيع تحويلات المغتربين ودعم الصادرات الزراعية. كما يتطلب الأمر تنشيط الجهاز المصرفي لتقليل الاعتماد على السوق غير الرسمي، وضبط المضاربات دون تعطيل النشاط الاقتصادي، مع تأمين إمدادات السلع الاستراتيجية كالوقود والغذاء، وتحسين إدارة الموارد في ظل اقتصاد الحرب، وإرسال رسائل واضحة تعزز الثقة في السياسات الاقتصادية.

وخلاصة القول أن وقف الانهيار الكامل للجنيه في ظل الحرب قد يكون صعبًا، لكن اتباع هذه الإجراءات بشكل متزامن يمكن أن يحد من التدهور ويعيد قدرًا من الاستقرار النقدي إلى حين توفر ظروف سياسية واقتصادية أكثر ملاءمة.​

إنضم الى احدى مجموعاتنا على الواتس

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى