
تقرير: الطابية
في تطور لافت على مسار العلاقات السودانية الإثيوبية، كشف الدبلوماسي الأمريكي كاميرون هيدسون أن رئيس مجلس السيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان أعرب له عن “قلق بالغ” إزاء تقارير تتحدث عن تدفق أسلحة إلى قوات الدعم السريع عبر الأراضي الإثيوبية، وأضاف الدبلوماسي الأمريكي أن الرئيس البرهان أخبره أنه طلب مرارًا زيارة أديس أبابا لمناقشة الملف مباشرة مع رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، غير أن الطلب لم يجد استجابة حتى الآن.
تصريحات البرهان، هذه، لم تكن مجرد ملاحظة بروتوكولية عابرة، بل هو في الواقع تعبير عن موقف يبرز بجلاء عودة التوتر إلى ملف العلاقة مع الجارة الشرقية، خصوصاً في ظل التقارير التي تؤكد حقيقة التسهيلات التي تقدمها إثيوبيا لبؤرة المليشيا على حدود إثيوبيا مع ولاية النيل الأزرق.
في السياق السياسي، الحديث العلني عن “التهرب” يعكس مستوى من التوتر المكتوم، ويشير إلى أن قنوات الاتصال بين البلدين لم تعد تعمل بالمرونة السابقة، خاصة في ظل هذه المعلومات التي تنذر بتطورات أخرى في الطريق.
التصريح، وإن جاء بصيغة دبلوماسية حذرة، يحمل في طياته اتهامًا غير مباشر لإثيوبيا في ملف بالغ الحساسية يتعلق بمسارات الإمداد العسكري في حرب السودان.
من الحياد إلى الشكوك.. تحولات الموقف الإثيوبي:
مع بداية اندلاع الحرب في السودان، بدا الموقف الإثيوبي – في نظر بعض المراقبين – مائلاً ضمنياً نحو مليشيا الدعـ ـم السـ ـريع، لا سيما في ظل ارتباطات اقتصادية سابقة بين قيادات في الدع-م الس-ريع واستثمارات كبرى لآل دقلو داخل إثيوبيا، مع توقعات برجحان كفة المليشيا.
لكن لاحقًا، بعد حدوث تغيّرات كبيرة في مسرح العمليات على الأرض لصالح الحكومة السودانية، وبجانب تطورات واختراقات واسعة حققتها الدبلوماسية السودانية على مستوى السياسة الخارجية، سعى آبي أحمد إلى إعادة ضبط الصورة، فزار الخرطوم والتقى البرهان في خطوة فسّرها مراقبون، آنذاك، بأنها محاولة لإظهار توازن دبلوماسي وتجنب الانخراط العلني في الصراع..
غير أن التطورات الأخيرة في الموقف العسكري في جنوب النيل الأزرق وعلاقة إثيوبيا به، أعادت الشكوك وشحنة التوتر إلى الواجهة.
اتهامات بالدعم العسكري… ما طبيعتها؟
ما تردد عن تورط إثيوبيا بإيعاز من الإمارات في دعم البؤرة الجديدة للتمرد في جنوب النيل الأزرق من خلال تقديم تسهيلات لتدفق الأسلحة، وتوفير مواقع للتدريب داخل الأراضي الإثيوبية، ليست مجرد اتهامات وأحاديث هوائية.
ففضلاً عما نقله الدبلوماسي الأمريكي السابق كاميرون هيدسون عن قلق البرهان البالغ بشأن تقارير تدفق الأسلحة عبر الأراضي الإثيوبية، أكدت مصادر عدّة إعلامية، وعسكرية حقيقة هذا التورط الإثيوبي.
فقد أكد نقيب الصحفيين السابق الصادق الرزيقي وجود معلومات استخبارية وعسكرية تشير إلى وصول عتاد حربي من داخل إثيوبيا، بما في ذلك عبر منطقة بني شنقول وأصوصا.. وذهب الصحفي فيصل سعد ذهب إلى أبعد من ذلك، معتبرًا أن الحراك الإثيوبي يدخل ضمن استراتيجية إنهاك الدولة السودانية عبر فتح جبهات متعددة، فيما وصفه بـ”شد الأطراف”.
في المقابل، يرى الخبير العسكري اللواء عوض عبد الرحمن أن إثيوبيا – رغم ما يُرصد من حشود – غير قادرة حاليًا على خوض حرب مفتوحة، بسبب أزماتها الداخلية في الأورومو والتيغراي والأمهرا.
لماذا اختار البرهان هذه الرسالة الآن؟
إثارة الرئيس البرهان هذا الملف عبر قناة غير رسمية – من خلال دبلوماسي أمريكي سابق – تعكس أكثر من دلالة، ضمن حنكة سياسية ودبلوماسية بالغة:
أولاً: هي محاولة لتدويل الشكوى، فنقل الرسالة عبر شخصية أمريكية يضع المسألة في سياق اهتمام دولي، ويبعث بإشارة إلى واشنطن، التي تتزعم محاولات الرباعية الدولية لوضع حد للحرب في السودان، مفادها أن الخرطوم ترى في أديس أبابا نقطة عبور محتملة لدعم خصمها العسكري، وبالتالي من شأن هذا الفعل الإثيوبي أن يسهم في إطالة أمد الحرب، فإذا كان واشنطن جادة في إيقاف الحرب في السودان، فعليها استعمال أذرعها للضغط على حلفائها في المنطقة الذي يعملون سراً على دعم المليشيا.
ثانياً: فيها ضغط سياسي غير مباشر على إثيوبيا، فالحديث العلني عن تجاهل طلب الزيارة يضع آبي أحمد في موقع المراوغ دبلوماسيًا، ويعزز رواية أن أديس أبابا لديها ما تخشاه في هذا الملف، أو على الأقل لا تتعامل بجدية مع مخاوف الخرطوم.
ثالثاً: العمل على إعادة تشكيل الاصطفافات الإقليمية، حيث يسعى السودان منذ اندلاع الحرب إلى إغلاق أي مسارات دعم إقليمي للمليشيا، سواء عبر الحدود الغربية أو الجنوبية أو الشرقية. إدراج إثيوبيا ضمن هذا السياق يوسّع دائرة الاتهام، بل يضعها في مواجهة مع المحور الدولي المساند للسودان، الذي اتسع في الفترة الأخيرة ليشمل (السعودية، تركيا، وإريتريا، والصومال، ومصر)، وتتمتع إثيوبيا بعلاقات ومصالح اقتصادية مع بعض تلك الدول مثل تركيا، ويمكن أن تمارس ضغطاً إيجابياً على أديس أبابا لوقف انخراطها السلبي في الأزمة السودانية.
حسابات آبي أحمد: لماذا الصمت؟
امتناع رئيس الوزراء الإثيوبي عن الاستجابة لطلب الزيارة يمكن قراءته من عدة زوايا:
أولاها: أنه محاولة لتجنّب الانحياز العلني للمليشيا؛ فإثيوبيا تحاول رسميًا التمسك بموقف “الحياد”، وأي لقاء مباشر حول ملف دعم عسكري قد يُفسر باعتراف ضمني بوجود إشكال.
ثانيتها: وجود ضغوط إماراتية على الرئيس الإثيوبي، لعدم الاستجابة لأي مباحثات مع السودان، في هذا الوقت، استناداً إلى الارتباطات المصلحية بين الثلاثي (إثيوبيا، الإمارات، المليشيا).
ثالثتها: المراوغة والمماطلة من أجل كسب الوقت، لتمرير أكبر قدر من الدعم اللوجستي والعتاد الحربي، الذي يمكّن المليشيا من فتح جبهة جديدة في جنوب شرق البلاد، وهذا ما تريده أبو ظبي، وبعد تحقق ذلك يمكن لأديس أبابا فتح باب الدبلوماسية والحوار مع الخرطوم.
ملفات الخلاف والحسابات الداخلية
بين السودان إثيوبيا، عدة ملفات خلافية ساخنة، استمرت طيلة السنوات الماضية تثير التوتر في العلاقة بين البلدين، أبرزها ملف الفشقة الحدودي وسد النهضة، ولا يمكن فصل التوتر الحالي عن السياق الأوسع لهذه الملفات.
الخلاف حول ملء وتشغيل سد النهضة خلق فجوة ثقة بين أديس أبابا من جهة والخرطوم والقاهرة من الجهة الأخرى، خلال السنوات الماضية، ومع اندلاع الحرب في السودان، تراجع الملف إعلاميًا، لكنه ظل حاضرًا في الخلفية الاستراتيجية.
ولكن أي توتر أمني على الحدود أو اتهام بدعم خصم عسكري يعمّق أزمة الثقة في ملف المياه، ويجعل التعاون الفني أكثر تعقيدًا.
والملف الآخر هو ملف النزاع حول منطقة الفشقة الزراعية الحدودية، الذي شكّل أحد أبرز أسباب التوتر بين البلدين قبل الحرب، ورغم أن استعادة الجيش السوداني السيطرة على مساحات واسعة من الفشقة في 2020 أنهت واقعًا استمر سنوات، لكنه لم يُنهِ النزاع سياسيًا.. وفي حال تصاعدت الاتهامات بشأن دعم إثيوبي للد-عم الس-ريع، فقد يُعاد فتح ملف الفشقة ضمن معادلة الضغط المتبادل، سواء عبر تحركات ميدانية محدودة أو تصعيد سياسي.
في نفس الوقت تعيش إثيوبيا أوضاعًا داخلية معقدة، مع توترات في الأورومو والأمهرا وتداعيات صراع التيغراي، والدخول في مواجهة مباشرة مع السودان ليس خيارًا مريحًا لأديس أبابا، لكن استخدام أدوات ضغط غير مباشرة قد يكون أقل تكلفة سياسيًا من مواجهة مفتوحة.
هل يلوّح السودان بورقة التيغراي؟
أحد السيناريوهات التي يُتداول الحديث عنها، في حالة تمادي الجانب الإثيوبي في الانخراط السلبي في النزاع السوداني ومساندة التمرد ضد الحكومة المركزية، يتمثل في احتمال لجوء السودان – بشكل مباشر أو غير مباشر – إلى دعم متمردي التيغراي، كرد فعل على أي دعم إثيوبي للدعم السريع.
ولكن هذا الخيار، رغم عدالته لكونه يندرج في خانة المعاملة بالمثل، إلّا أنه واقعياً يحمل مخاطر عالية؛ فهو قد يدفع إثيوبيا إلى رد فعل مماثل أو أشد، ويفتح الحدود الشرقية على صراع طويل الأمد، ويُدخل السودان في شبكة صراعات إقليمية معقدة.
المعطيات الحالية تشير إلى احتمال تشكل ما يمكن وصفه بـ”صراع ظل” بين الخرطوم وأديس أبابا، تبدو مظاهره في؛ الاتهامات بدعم غير مباشر، الرسائل السياسية عبر أطراف دوليين، وتجنب المواجهة العسكرية المباشرة، استخدام ملفات الحدود والمياه كورقة ضغط
ولكن إذا استمرت الاتهامات بشأن الدعم العسكري دون معالجة مباشرة عبر قنوات سياسية واضحة، فقد تتجه العلاقة نحو مزيد من التوتر الصامت، مع احتمالات تصعيد غير مباشر على أطراف الحدود.
السؤال الذي يفرض نفسه الآن: هل ينجح الطرفان في إعادة فتح قناة اتصال مباشرة لاحتواء الأزمة، أم تدخل العلاقات مرحلة جديدة من المواجهة الباردة التي تتجاوز الدبلوماسية إلى حسابات الميدان؟.



