
تقرير: الطابية
في تصعيد هو الأخطر منذ اندلاع الحرب في السودان، اقتحمت مليشيا الدع-م السر-يع، الإثنين، بلدة مستريحة بولاية شمال دارفور، المعقل التاريخي لزعيم قبيلة المحاميد ورئيس مجلس الصحوة الثوري، موسى هلال، بعد هجوم واسع من عدة محاور استخدمت فيه السيارات القتالية والمشاة والقصف الصاروخي والمسيّرات، وفق مصادر محلية.
الهجوم لم يكن مجرد عملية عسكرية عابرة، بل بدا كأنه محطة مفصلية في صراع قديم يتجدد بين الرجلين الأقوى نفوذاً داخل المكوّن القبلي للرزيقات: هلال وقيادة الدعم السريع.
تفاصيل الهجوم.. أرقام ثقيلة ومشهد إنساني كارثي
بدأت مليشيا الدع-م السر-يع هجومها منذ صباح الإثنين على دامرة مستريحة من عدة اتجاهات، قبل أن تتمكن نهاراً من اقتحام البلدة وإضرام النيران في منازلها، وسط نزوح واسع للسكان.
قبيلة المحاميد أعلنت أن ما جرى “جريمة مكتملة الأركان”، مشيرة إلى مقتل 38 من أبنائها خلال الاجتياح، وفقدان 176 شخصاً، مع استمرار النزوح من المنطقة.
مجلس الصحوة الثوري – الذي يقوده هلال – قال إن القوة المهاجمة قوامها نحو 1500 مقاتل بقيادة التيجاني موسى الملقب بـ“الزير سالم”، وذكر أن الهجوم تم باستخدام مئات العربات المصفحة، فيما تحدثت مصادر أخرى عن مشاركة عناصر سبق أن خاضت معارك في الفاشر.
كما أكدت شبكة أطباء السودان أن القصف الصاروخي أدى إلى تدمير المركز الصحي الوحيد في المنطقة، والاعتداء على الطاقم الطبي، واعتقال أحد الكوادر الصحية، في مؤشر خطير على تدهور الوضع الإنساني.
نجاة موسى هلال ومقتل نجليه
وسط المعارك التي دارت حول منزله، نجا موسى هلال من الهجوم، قبل أن ينسحب من المنطقة برفقة عدد من أبناء عشيرته، مع أنباء غير مؤكدة عن توجهه نحو الأراضي التشادية.
في المقابل، أكدت مصادر إعلامية مقتل نجله عبد الباسط خلال المعارك، فيما اختُطف نجله الآخر حيدر قبل أن يُقتل لاحقاً، بحسب قيادات من المحاميد. وتداول عناصر من المليشيا مقاطع مصورة تشير إلى مقتلهما، ما أضفى بعداً شخصياً بالغ الحساسية على المواجهة.
محاولة اغتيال أم حسم نفوذ؟
ليست هذه المرة الأولى التي يُستهدف فيها هلال. فقد سبقت الهجوم محاولات استهداف بطائرات مسيّرة، بحسب مجلس الصحوة الثوري، الذي أكد أن قواته تصدت لموجتين قبل أن تنسحب في الثالثة تحت ضغط كثيف من القصف.
الناطق باسم المجلس قال إن الهجوم بدأ بقصف مكثف استهدف المستشفى ومنازل المدنيين ومقر الشيخ، قبل أن تتقدم القوات من أربعة اتجاهات، في عملية توحي بتخطيط مسبق يتجاوز مجرد الاشتباك العرضي.
خلاف قديم يتجدد
رغم انتمائهما إلى المكوّن القبلي ذاته، تعود جذور الخلاف بين هلال وقيادة المليشيا إلى سنوات حكم الرئيس السابق عمر البشير، حين اقتحمت المليشيات مستريحة عام 2017 واعتقلت هلال مكبلاً بالأغلال. وظل في السجن حتى أُفرج عنه في 2021 بعفو من رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان.
منذ اندلاع الحرب الحالية، أعلن هلال صراحة تأييده للجيش السوداني، ووقف في مواجهة الدع-م الس-ريع من عمق دارفور، مستنداً إلى ثارات قديمة وصراع نفوذ متصاعد داخل الإقليم.
التوتر ازداد مع انشقاق مجموعات من المحاميد كانت تقاتل ضمن الدع-م الس-ريع وانضمامها إلى هلال، إضافة إلى احتكاكات متكررة بين فصائل المليشيا، خاصة تلك المنتمية إلى الماهرية وأبناء المحاميد.
“الحرب أولها كلام”
قبل المواجهة بأسابيع، أطلق هلال تصريحات نارية ضد عبد الرحيم د.قلو، مطالباً إياه بالمواجهة المباشرة “كالرجال” وعدم استغلال الفقراء في الحرب. الخطاب حمل نبرة تحدٍّ صريحة، واتهم قيادة المليشيا بخدمة “أجندات خارجية” على حساب الوطن.
وقال “هلال”، في تجمع قبلي: “نحن هنا، في قلب أرضنا، بين أهلنا، لا نحتمي بحدودٍ مصطنعة ولا نستقوي بأجندات عابرة. إن كان عبدالرحيم د.قلو يملك ذرة شجاعة فليتقدّم الصفوف بنفسه، وليواجه الرجال مواجهةً مباشرة، بدل أن يختبئ خلف فقر البسطاء وجهل المهمّشين، يدفع بهم إلى أتون حربٍ تخدم مشاريع خارجية لا تمتّ للوطن بصلة”.
وأضاف زعيم قبيلة المحاميد: “الوطن ليس سلعة في مزاد المصالح، ولا ساحةً لتصفية حسابات دولٍ تبحث عن نفوذها عبر دماء السودانيين. الولاء للأرض وللشعب، لا للمال السياسي ولا لتحالفاتٍ تُدار من خلف البحار. وأكد “هلال”، أن لا يرحم من باع وطنه أو ارتهن قراره للخارج. الولاء للوطن أولاً وأخيراً، وأي مشروع لا يمر عبر إرادة الشعب وسيادته هو مشروع ساقط مهما تجمّل بالشعارات.
هذه التصريحات بدت، في ضوء ما حدث، كأنها مقدمة لصدام كان ينتظر شرارة.
قراءة عسكرية: خطأ استراتيجي؟
الخبير العسكري العميد (م) إبراهيم عقيل مادبو اعتبر أن استهداف دامرة موسى هلال قد يكون أكبر خطأ ارتكبته مليشيا الدع-م السر-يع خلال الأعوام الماضية، مشيراً إلى وجود تعهد سابق بين هلال وعبد الرحيم د.قلو بعدم استهداف أحدهما الآخر.
ويرى مراقبون أن الهجوم قد يدفع إلى تحالف أوسع بين هلال والقوة المشتركة والجيش السوداني، بما يفتح جبهة جديدة في شمال دارفور، ويُربك حسابات المليشيا في الإقليم الذي تسيطر عليه إلى حد كبير.
وشدد عقيل على ضرورة أن ينسق هلال مع الجيش في استخدام الطيران عند الحاجة، داعياً الجيش إلى وضع خطة إمداد عاجلة مع تنشيط عمليات (ش.د)، بالتنسيق بين موسى هلال والقوة المشتركة، للبدء بعمليات متزامنة، مع توفير أنظمة تشويش وتدريب متقدم لبعض عناصر الصحوة وإدخال سلاح جديد إلى المعركة.
ما بعد مستريحة: بداية مرحلة جديدة؟
الهجوم على مستريحة لا يبدو مجرد معركة موضعية، بل مؤشر على تحوّل نوعي في الصراع داخل دارفور. فاستهداف رمز قبلي بحجم موسى هلال يعني إعادة ترتيب موازين القوى داخل الحاضنة الاجتماعية العربية في الإقليم.
انقطاع “شعرة معاوية” بين هلال وقيادة المليشيا– كما وصفه بعض المراقبين – قد يفتح الباب أمام اصطفافات جديدة، وتحالفات غير مسبوقة، وربما مرحلة أكثر تعقيداً في حرب لم تتوقف عن إعادة إنتاج نفسها بأشكال أكثر عنفاً.
مستريحة لم تكن مجرد بلدة في شمال دارفور؛ كانت عنوان نفوذ وتاريخ وثقل قبلي. واستهدافها بهذه الصورة قد يعيد رسم الخريطة السياسية والعسكرية في الإقليم، ويؤسس لفصل جديد من صراع لم يقل كلمته الأخيرة بعد.



