
تقرير: الطابية
أعلنت حكومة انجامينا، اليوم الاثنين، إغلاق حدود تشاد الشرقية مع السودان، بعد أن أسفرت الاشتباكات الدامية في مدينة الطينة الحدودية، مطلع هذا الأسبوع، عن مقتل خمسة جنود تشاديين وثلاثة مدنيين، وإصابة حوالي 12 آخرين، حسب تصريحات مسؤول تشادي لوكالة رويترز للأنباء.
تأتي هذه الأحداث في سياق تطور يعكس انتقال الحرب السودانية من نطاقها الداخلي إلى عمق الجوار الإقليمي. الخطوة، التي بررتها السلطات بـ«توغلات وانتهاكات متكررة» من أطراف الصراع السوداني، تمثل مؤشرًا على أن تشاد لم تعد بمنأى عن تداعيات الحرب، بل باتت جزءًا من مسرحها المتحرك.
ليس الحادث الأول
لم يكن حادث الطينة الأول من نوعه، إذ سبق للنزاع في السودان أن امتد إلى الأراضي التشادية. ففي أواخر العام الماضي، أودى هجوم بطائرات مسيرة بحياة جنديين تشاديين، دون أن تعرف انجمينا الجهة المسؤولة عن العملية، ما يعكس غموض التحكم العسكري في مناطق النزاع الحدودية.
وفي منتصف يناير، أدى اشتباك آخر على الحدود إلى مقتل سبعة جنود تشاديين على يد مجموعة مسلحة، وفق تصريحات رسمية، وثبت فيما بعد أنها قوة تابعة للمليشيا. وبعد أيام، اعترفت قوات الدعـ ـم السـ ـريع بأن هذه الحوادث كانت “غير مقصودة”، ونتيجة خطأ أثناء مطاردة مجموعات عبرت من داخل الأراضي التشادية، ما يبرز هشاشة التنسيق الحدودي بين الحكومة التشادية وحليفها المتمرد، بل عدم احترام هذا المتمرد البربري للفواصل السيادية المتعارف عليها دولياً.. مما يعكس خطورة التورط غير المباشر لتشاد في النزاع، حتى في ظل نفيها الرسمي لأي مشاركة مباشرة.
ضلوع مبكر وحسابات خاطئة
منذ اندلاع القتال بين الجيش السوداني ومليشيا الدعـ ـم السـ ـريع المتمردة، في أبريل 2023، ظلت الحدود الغربية للسودان منطقة رخوة أمنيًا. لكن ضلوع تشاد في المشهد ووقوفها في الجانب المساند للمليشيا المتمردة أضفى على المشهد بعدًا أكثر تعقيدًا. فقد اتهمت الخرطوم نجامينا مرارًا بغض الطرف عن مرور إمدادات لوجستية وعسكرية إلى الدعم السريع عبر مطار أم جرس وممرات حدودية مفتوحة، إضافة إلى تسهيل تدفق مقاتلين قبليين وعناصر مرتزقة للانضمام إلى صفوف المليشيا. ورغم نفي تشاد الرسمي لأي انحياز، فإن تكرار الحوادث الحدودية عزز الانطباع بأن الحياد المعلن لا ينسجم دائمًا مع الوقائع على الأرض.
لقد كانت حسابات انجمينا التي بنت عليها موقفها من حرب السودان، حسابات خاطئة، حيث اعتمدت على الإغراء الاقتصادي الذي قدمته أبو ظبي، وحسابات مصلحة النظام، لم تراع فيها الأبعاد الجيوسياسية المعقّدة، والتداخلات الاجتماعية والقبلية وتأثيراتها على تماسك الداخل التشادي، كما لم تقف على طبيعة الطرف الذي تسانده، ولا إلى مآلات انزلاق المنطقة إلى صراع دموي يصعب السيطرة عليه ولا على امتداداته.
والآن بدأت أجراس الإنذار تقرع بقوة، منذرة بأوان تسديد فاتورة الحساب الطويلة للتورط في دعم أجندات الحرب الإقليمية.. وهي فاتورة لن تقف عن حد الارتدادات الحدودية، التي تكررت للمرة الثالثة خلال ثلاثة أشهر، ولكنها قد تؤدي إلى دوامة لا يمكن حساب عواقبها، خاصة إذا اتصلت بالنقاط الملتهبة في الداخل التشادي، وما أكثرها!!.
ارتدادات حرب وانزلاقات قبلية
وتكمن الخطورة الأكبر على الأمن التشادي في أن استمرار الاشتباكات على تخوم الطينة يهدد بتحويل الشرق التشادي إلى ساحة تماس مفتوحة، بما يضع الحكومة أمام معضلة مزدوجة: حماية سيادتها ومنع تسلل القتال، وفي الوقت ذاته تجنب الانزلاق إلى مواجهة مباشرة مع أحد أطراف النزاع السوداني. تصريحات بعض المحللين المحليين التي ترى أن تشاد «أصبحت طرفًا في الصراع سواء أرادت أم لا» تعكس هذا القلق المتصاعد.
كما أن امتداد الحرب يضغط على النسيج الاجتماعي الهش في تشاد. فالبلاد تضم مكونات قبلية لها روابط تاريخية مع أطراف القتال في دارفور، ما قد يخلق انقسامات داخلية أو يفتح الباب أمام تعبئة عابرة للحدود. في مثل هذه البيئات، يتحول الصراع الخارجي بسرعة إلى توتر داخلي، خصوصًا إذا ترافق مع تدفق سلاح أو خطاب تعبوي.
إغلاق الحدود.. إجراء أمني أم اعتراف بالمأزق؟
إن قرار إغلاق الحدود ونشر تعزيزات عسكرية إضافية يعكسان إدراكًا متأخرًا لكلفة الانخراط غير المباشر في صراع معقد. فالحرب السودانية، بطبيعتها المتداخلة قبليًا وجغرافيًا، لا تعترف بالحدود السياسية الصلبة. الامتدادات القبلية المشتركة بين غرب السودان وشرق تشاد تجعل أي اشتعال في دارفور سريع الارتداد إلى الداخل التشادي، سواء عبر موجات النزوح أو عبر الاستقطاب المسلح داخل المكونات القبلية المتداخلة. في الوقت ذاته يطرح تساؤلات حول قدرة تشاد على الاستمرار في سياسة، الدعم السري للتمرد، أو حتى المسافة المتساوية!؟.. فالحرب السودانية، بطبيعتها المتحركة وغير النظامية، لا تتوقف عند نقاط العبور الرسمية، ولا يمكن احتواؤها بإجراءات إدارية فقط.
في المحصلة، يبدو أن نجامينا تجد نفسها اليوم أمام ارتدادات سياسة توازن دقيق لم تعد قابلة للاستمرار. فإغلاق الحدود إجراء أمني عاجل، لكنه لا يجيب عن سؤال أعمق: هل تستطيع تشاد إعادة التموضع كوسيط محايد وضامن للاستقرار الحدودي، أم أن تورطها – المباشر أو غير المباشر – جعلها تدفع ثمن حرب لم تشتعل على أراضيها، لكنها باتت تطرق أبوابها بقوة؟.
إنضم الى احدى مجموعاتنا على الواتس



