تقاريرسياسة

الحوار السوداني.. دهاء سياسي يفضح عورة متاريس المعارضة

 

تقرير: الطابية

أعاد إعلان رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان عن إطلاق حوار سوداني شامل فتح واحدة من أكثر القضايا حساسية في المشهد السياسي: من يملك حق المشاركة في صياغة مستقبل السودان، ومن يملك حق استبعاد الآخرين؟ وبينما تقدم الحكومة مبادرتها باعتبارها محاولة لجمع القوى السودانية داخل عملية سياسية واحدة، تتعامل قطاعات من المعارضة معها بمنطق الشروط المسبقة، وفي مقدمتها رفض الحوار في ظل استمرار الحرب، واشتراط استبعاد قوى سياسية بعينها، خصوصاً ما يسمونها بمواجهات المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية.

البرهان يطلق الدعوة للحوار

في 14 أغسطس، أعلن البرهان استعداد الدولة لتوفير الضمانات السياسية والقانونية والأمنية للمشاركين في الحوار، مؤكداً استقلال العملية وعدم تدخل الدولة في أجندتها أو مخرجاتها، كما تحدث عن حصانات إجرائية للمشاركين وضمان حرية النقاش.
وفي خطاب لاحق، أكد أن الحرب ضد الدعـ م السـ ريع لا تعني إغلاق الباب أمام مبادرات السلام، لكنه رفض عودة المليشيا إلى السلطة أو مشاركتها فيها قبل استيفاء شروطه المتعلقة بوقف الحرب ونزع السلاح وعودة المواطنين.
هذه المقاربة، تبدو أكثر واقعية من الدعوات التي تريد بناء العملية السياسية على الإقصاء المسبق. فالحوار الوطني، في جوهره، لا يفترض أن يجمع القوى المتشابهة، وإنما القوى المختلفة والمتعارضة، بما فيها تلك التي لا تحظى بقبول خصومها. أما الجرائم والانتهاكات، فمكانها الطبيعي هو التحقيق والعدالة والمساءلة الفردية، لا تحويلها إلى قاعدة لإلغاء تيار سياسي بأكمله.

التمترس بالانتقائية والإقصاء

المشكلة الأبرز، التي كشفتها دعوة البرهان للحوار، في موقف بعض القوى المعارضة، خاصة تجمع صمود، الذي يرى نفسه صاحب الحق الثوري في الحكم، هي الذوبان في إطروحات القوى الدولية والإقليمية التي تتبنى إعادتها للحكم، والتمترس خلف رؤية انتقائية إقصائية للحوار ومستقبل الحكم في السودان.
في اجتماع أديس أبابا يومي 22 و23 أغسطس، رفضت تلك القوى السياسية دعوة البرهان، وطرحت بدلاً منها مساراً يقوم على عملية تفاوض من أجل إيصال المساعدات الإنسانية ووقف إطلاق النار ثم عملية سياسية مدنية. والأهم أن التصورات التي تتبناها قطاعات من هذا المعسكر تتضمن استبعاد المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية من العملية السياسية المقبلة.
ولا تبدو هذه الانتقائية مجرد تفصيل عابر. فقد أصبح استبعاد الإسلاميين، وفق وثائق ومواقف سياسية متداولة خلال الأشهر الماضية، جزءاً من تصور بعض القوى لشكل الدولة السودانية بعد الحرب، لا مجرد إجراء مؤقت مرتبط بالعدالة الانتقالية.
وفي المقابل، فإن القوى السياسية الأخرى التي التي تطرح مبدأ الشمول ترى أن الإقصاء السياسي الجماعي يعيد إنتاج الصراع، وأن المساءلة ينبغي أن تستند إلى المسؤولية الفردية والأدلة، لا إلى الانتماء السياسي وحده.

ثنائية (ثورة/ نظام سابق)

المفارقة أن المؤتمر الشعبي نفسه، وهو حزب ذو خلفية إسلامية مرتبطة بتجربة حكومة الإنقاذ، شارك في اجتماعات أديس أبابا الأخيرة إلى جانب القوى التي أعلنت رفض دعوة البرهان؛ ما يكشف أن محاولة رسم خريطة سياسية بسيطة تقوم على ثنائية «ثورة/نظام سابق» غير منطقية لا تعكس حقيقة المشهد، حتى في معسكر المعارضة.
وتزداد المفارقة حين تتحول بعض القوى المعارضة إلى الاستناد على مواقف إقليمية ودولية تتوافق معها في مسألة الإقصاء. على الرغم من أنه حتى عندما ناقشت أطراف الوساطة الدولية قضية مشاركة الإسلاميين، كان الموقف المعلن في بعض المسارات أن تحديد المشاركين في العملية السياسية ينبغي أن يكون قراراً سودانياً، وأن دور الوسطاء هو التيسير لا فرض قائمة المشاركين. وفي حديث سابق حول هذه المسألة، أُشير إلى أن استبعاد الإسلاميين كان جزءاً من ترتيبات سياسية سابقة، لكن القرار النهائي بشأن شكل المشاركة يعود إلى السودانيين.
وهنا تكمن نقطة جوهرية: الاستقواء بالموقف الخارجي لا يمكن أن يكون بديلاً عن الشرعية السياسية الداخلية. فإذا كانت القوى المعارضة ترفض أن تفرض الحكومة رؤيتها على الحوار، فمن الصعب أن تقبل في المقابل أن تفرض عواصم إقليمية أو دولية رؤيتها على من يحق له الجلوس إلى طاولة الحوار. فالمبدأ نفسه ينبغي أن يسري على الجميع.

كيف يفضي الحوار إلى سلام مستدام؟

كما أن السؤال الواقعي هو: هل يمكن بناء سلام مستدام في السودان باستبعاد تيار سياسي واجتماعي له وجود ممتد داخل المجتمع؟ قد يكون من الممكن استبعاد أشخاص متهمين بجرائم أو منع كيانات ثبت تورطها في العنف وفق القانون، لكن تحويل الانتماء إلى تيار فكري أو سياسي إلى جريمة جماعية يختلف تماماً عن العدالة الانتقالية.
وفي المقابل، توجد مناطق رمادية في دعوة الحكومة للحوار.، خصوصًا فيما يتعلق بمشاركة المليشيا أو استبعادها، وهل تشكل الاشتراطات ضمانة كافية لعدم العودة لأوضاع ما قبل الحرب؟.. بالإضافة إلى هل يمكن أن يفضي الحوار إلى إنهاء النزاع العسكري، إذا كان من غير المقبول منح الجناح السياسي للمليشيا حق المشاركة السياسية أو العودة إلى السلطة؟!
لكن معالجة هذه الإشكالات لا تكون بإغلاق باب الحوار، وإنما بالتفاوض حول قواعده وضماناته ومشاركة أطرافه. وهذا تحديداً ما ذهبت إليه مريم الصادق المهدي في موقف أكثر مرونة من بعض قيادات حزب الأمة؛ إذ قالت إن رفض دعوة البرهان وحده لا يصنع بديلاً، وإن الشروط التي لا يمكن تحقيقها دون التزام متبادل لن تقود إلى الأمام، داعية إلى تحويل الدعوة إلى فرصة لطرح الضمانات المطلوبة.

أيهما أكثر دهاءً؟

وتكشف المقارنة بين الموقفين الحكومي والمعارض، أن الخلاف الحقيقي ليس حول «الحوار» بقدر ما هو حول من يضع قواعده ومن يحدد قائمة المشاركين.. وفي نفس الوقت يظهر دهاء الحكومة في مقابل تبلد البديهة السياسية للمعارضة.
فحقيقة الأمر أن الحكومة تحاول، من خلال دعوتها للحوار، إزاحة خريطة طريق غير وطنية أعدتها دوائر دولية وإقليمية تسعى إلى تكريس هيمنة تيارات سياسية بعينها وإقصاء تيارات أخرى، ولذلك تعمل على المناورة باستخدام نفس تكتيكات الخصوم.. فهي تقول عملياً: تعالوا إلى حوار سوداني، مع ضمانات واستقلال للأجندة والمخرجات.
بينما تقول قطاعات من المعارضة: لن نأتي قبل توافر شروط نحددها نحن، وفي مقدمتها وقف الحرب وإقصاء قوى بعينها، ولكنها لا تدرك أنها تخاطر بأن يتحول رفضها المتكرر إلى سياسة لا تنتج بديلاً موضوعيًا، خصوصاً مع إصرارها على إقصاء قوى تشكل جزءاً من الواقع الاجتماعي والسياسي الذي ستحتاج الدولة في النهاية إلى التعامل معه، بل وتتمتع بدرجة مقبولية شعبية أعلى منها.
لذلك، فإن الحكومة نجحت في اختيار المدخل الأكثر عقلانية وهو فتح الباب أمام القوى السياسية والمجتمعية التي لم يثبت تورط أفرادها جرائم سياسية أو جنائية، وبذلك وضعت العربة أمام الحصان.

كان على المعارضة أن تدرك أن الاستناد إلى فاعلية الضغط الخارجي لن يعيد لها القبول الذي خسرته في الداخل.. وأن دعوة البرهان تقدم لها تذكرة دخول من البوابة الخلفية، بشرط أن تدرك أن السودان بعد الحرب لن يحتاج إلى انتصار تيار على تيار بقدر حاجته إلى تسوية تاريخية تستوعب تعدده السياسي والاجتماعي. وإذا كان المطلوب حواراً وطنياً فعلاً، فإن قوته لن تقاس بعدد الذين يستبعدهم، وإنما بعدد الخصوم الذين يستطيع جمعهم حول قواعد مشتركة لدولة واحدة.

إنضم الى احدى مجموعاتنا على الواتس

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى