الجرد العملياتي للجيش.. ماذا تكشف حصيلة النصف الأول من يوليو عن مسار الحرب؟

تقرير: الطابية
أعلنت القيادة العامة للقوات المسلحة حصيلة عملياتها العسكرية خلال الفترة من الأول إلى الخامس عشر من يوليو 2026، في جرد عملياتي شمل مختلف محاور القتال، وكشف عن تدمير مئات الآليات العسكرية، وإسقاط طائرات مسيرة، واستعادة مدينة الكرمك وعدد من المناطق الإستراتيجية.
ورغم أن مثل هذه البيانات تعد جزءاً من التواصل العسكري المعتاد، فإن توقيتها ومضمونها يفتحان الباب أمام قراءة أوسع لما تعكسه من تطورات ميدانية، وما تحمله من رسائل سياسية وعسكرية بشأن اتجاه الحرب في السودان.
عمليات متزامنة في أربعة محاور
بحسب بيان الجيش، شملت العمليات أربعة مسارح رئيسية للقتال هي دارفور، وشمال كردفان، والنيل الأزرق، والنيل الأبيض، وانتهت إلى تدمير 205 عربات قتالية و17 شاحنة عتاد عسكري، والاستيلاء على 21 عربة قتالية، إضافة إلى إسقاط أربع طائرات مسيرة استراتيجية.
وتظهر هذه الأرقام أن العمليات لم تقتصر على جبهة واحدة، وإنما جاءت ضمن تحرك متزامن يهدف إلى الضغط على قوات الدعم السريع في أكثر من محور، ومنعها من إعادة تجميع قواتها أو نقل تعزيزاتها بين مناطق القتال.
هل يمثل ذلك تقدماً ميدانياً؟
في القراءة العسكرية، تبدو الحصيلة مؤشراً على استمرار امتلاك الجيش زمام المبادرة في عدد من الجبهات، خاصة أن البيان لم يقتصر على الإعلان عن خسائر للخصم، بل تضمن أيضاً الإعلان عن تحرير مدينة الكرمك ذات الأهمية الاستراتيجية على الحدود مع إثيوبيا وجنوب السودان.
كما يأتي هذا الجرد بعد أسابيع من تقدم القوات المشتركة والجيش في غرب دارفور، واقترابهما من مدينة الجنينة، وهو ما يعزز الانطباع بأن العمليات العسكرية تسير ضمن خطة تستهدف استعادة المواقع الحيوية تدريجياً، بدلاً من الاكتفاء بالدفاع عن المناطق التي يسيطر عليها الجيش.
ماذا تقول الأرقام؟
بعيداً عن القيمة الدعائية لأي بيانات عسكرية، فإن توزيع الخسائر يلفت الانتباه إلى طبيعة العمليات الجارية.
فمحور دارفور وحده شهد تدمير 76 عربة قتالية و17 شاحنة عتاد، بما يعكس شدة المعارك هناك، بينما سجل محور شمال كردفان تدمير 54 عربة وإسقاط ثلاث طائرات مسيرة، في مؤشر على تصاعد استخدام الطائرات المسيّرة في هذه الجبهة.
أما محور النيل الأزرق، فقد جمع بين المكسبين العسكري والجغرافي، باستعادة الكرمك، وتدمير 56 عربة قتالية، والاستيلاء على معدات وأجهزة تشويش واتصالات، وهي مكاسب قد يكون لها أثر يتجاوز حدود المعركة نفسها.
رسائل إلى الداخل والخارج
يحمل نشر هذه الحصيلة أكثر من رسالة.
فعلى الصعيد الداخلي، يسعى الجيش إلى تأكيد استمرار عملياته الهجومية وقدرته على تحقيق مكاسب ميدانية، في وقت يتابع فيه الرأي العام تطورات الحرب وتأثيرها على الأوضاع الإنسانية والاقتصادية.
أما خارجياً، فيبدو البيان رسالة إلى الأطراف الإقليمية والدولية بأن ميزان العمليات لا يزال متحركاً، وأن أي نقاش سياسي أو مبادرات للتسوية ينبغي أن يأخذ في الاعتبار الوقائع الجديدة على الأرض، الأمر الذي يؤكد قدرة الجيش وامتلاكه زمام المبادرة، ويغلق الباب أمام أي أطماع بتقديم تنازلات تتجاوز ما طرحه السودان من رؤية لاستئناف التفاوض وصولاً لوقف الحرب، لا سيما مع استعادة مواقع استراتيجية والتقدم في أكثر من جبهة.
الحرب تدخل مرحلة الاستنزاف المنظم
تكشف الأرقام أيضاً عن تحول في طبيعة العمليات العسكرية.. فبدلاً من التركيز على السيطرة السريعة على المدن، تبدو الأولوية موجهة نحو استنزاف القدرات القتالية للمليشيا عبر تدمير العربات، وضرب خطوط الإمداد، وإسقاط الطائرات المسيّرة، والاستيلاء على المعدات العسكرية.
ويهدف هذا النمط من العمليات إلى تقليص قدرة الخصم على شن هجمات واسعة، وإضعاف بنيته اللوجستية قبل الانتقال إلى معارك أكبر في المناطق التي لا تزال خارج سيطرة الجيش.
هل يغيّر الجرد مسار الحرب؟
لا يمكن اعتبار حصيلة نصف شهر وحدها مؤشراً حاسماً على نهاية الحرب، إذ ما تزال المليشيا تحتفظ بوجود في عدد من المناطق، كما أن طبيعة الصراع تسمح بتغيرات ميدانية متسارعة.
لكن في المقابل، فإن استمرار الجيش في تحقيق مكاسب متزامنة في النيل الأزرق وغرب دارفور وشمال كردفان، مع إضعاف القدرات القتالية للمليشيا، يشير إلى أن العمليات العسكرية تسير في اتجاه استنزاف متواصل قد يؤثر على قدرتها على المناورة والاحتفاظ بمناطق نفوذها.
مرحلة جديدة
يبدو الجرد العملياتي أقرب إلى إعلان عن مرحلة جديدة من الحرب، قوامها توسيع الضغط العسكري في أكثر من جبهة، واستهداف البنية القتالية للمليشيا بصورة متزامنة.
ويبقى مدى تأثير هذه العمليات مرهوناً بقدرة الجيش على تحويل هذه المكاسب التكتيكية إلى نتائج استراتيجية، عبر استكمال السيطرة على المناطق المتبقية، وقطع خطوط الإمداد، ومنع الخصم من إعادة بناء قدراته، بما يجعل الإنجازات المعلنة خطوة ضمن مسار أوسع نحو تغيير موازين الصراع.



