سياسةكاتب ومقالمقالات

بكري المدني يكتب.. مع القائد مالك عقار السودان إلى أين(4)

ترتيب أولويات مطالب الثورة!

عندما غادرت الخرطوم صوب إقليم النيل الأزرق تركت سكان العاصمة يشكوون قطوعات الماء والكهرباء وعسر المعاش عموما، وهي أمور هامة وتركت الشباب في الشوارع يحاولون مواصلة الثورة، وهو أمر مهم أيضا ولكن ما أن طفت مناطق قومية الأنقسنا حتى أحسست بضرورة مراجعة أولويات مطالب الثورة !.

ان كنا نشكوا فى الخرطوم قطوعات الماء والكهرباء -مثلا -فإن إقليم النيل الأزرق الذي يمنح نهر النيل نحو 80%من مائه لا يجد بعض سكانه جرعة ماء للشرب إلا التى تجلبها النساء لمسافات طويلة حملا على الرؤوس وفوق الأكتاف وكذلك فإن الإقليم الذي يمنح السودان ثلث طاقته الكهربائية لم يعرف فيه البعض خدمة الكهرباء أصلا وربما لا يعرف لها شكلا من أشكال الاستخدام التى لا نستغني عنها في الخرطوم وغيرها !

في بعض قرى محلية “باو” الطب ترف لا يعرفونه! والصحة تعتمد على العلاج بالأعشاب، أما توليد النساء خاصة البكارى فذلك ما دفعنى للبكاء جهرا في قرية “الفوج”.. شيء لا يمكن توقعه. فغرفة الولادة أشبه بالسلخانة!.

في قرية القراود نظمت لنا زيارة للمدرسة الوحيدة بالمنطقة والحقيقة كل ما وجدناه من المدرسة المزعومة الجزء الأول من كتاب الصف الأول ومعلمة واحدة صرفت طوال العام الماضي مرتب شهر واحد فقط!.. ولا شيء آخر في مدرسة القراود غير نصف كتاب ومئات من الأولاد والبنات الذين يسمون تزييفا بالتلاميذ والتلميذات!.

إن أقصى مطالب النساء في القراود طاحونة بدلاً عن طحن العيش على (مرحاكة)هدت الحيل مع نقل الماء من مسافات طويلة والزراعة وقطع الحطب، بل والولادة في (سلخانة) قرية الفوج البعيدة مع احتمالات الموت مسبقا على الطريق قبل الوصول، فتلك المناطق لم تسمع بالإسعاف.

ذكرت للقائد مالك عقار ما رأيت في قرى باو فقال لي إن الأوضاع بالمعسكرات أسوأ منها، والحلول تتطلب استقرار الحكم أولا وكأنه يشير إلى اضطرابات الخرطوم المستمرة، أما حاكم النيل الأزرق السيد أحمد العمدة والذي تحدثت معه فيما بعد بالدمازين فقال لي نصا (كنت سترى أسوأ من تلك الأوضاع أيام الحرب وقبل السلام )!.

حوالى نصف مليون إنسان من قومية الأنقسنا وحدها اليوم ما بين نازح بالخارج والداخل، مطلبهم الأساس الحياة في أدنى مستوياتها – الحياة فقط والتى يفصلها خيط رفيع من الممات، وإن كان في الأخير راحة مع مقياس عذابات الأولى مما ذكرت ولم اذكر !

أعتقد جازما أن علينا إعادة ترتيب أولويات مطالب الثورة، وأن كان نحس ونؤمن أننا بشر متساوون على هذى الأرض المسماة وطن لنا جميعا !.

إنضم الى احدى مجموعاتنا على الواتس

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى