حوارات وتحقيقاتسياسة

العميد (م) سوركتي (للطابية): المشروع المأسوني لتمزيق السودان يمضي على قدم وساق

حوار: حسن عبد الحميد

العميد (م) ساتي سوركتي من الشخصيات العسكرية والسياسية المعروفة في السودان، وهو مشهور بصراحته الشديدة ووضوحه في التعبير المباشر عن أفكاره ورؤاه، كان عضوا بلجنة الأمن والدفاع بالمجلس الوطني الأخير، ويملك ذخيرة من المعارف العسكرية والسياسية بحكم خبراته العملية في المجالين العسكري والسياسي، جلسنا إليه نستوضح آراءه في الوضع السياسي ومسار الثورة ودور قوى الاستكبار العالمي ودول الإقليم وقضية التطبيع مع إسرائيل والسيناريوهات السياسية المتوقعة في السودان في المدى المنظور، فلم يبخل علينا بإفاداته بصراحته المعهودة ووضوحه المعروف عنه.

ــ نبدأ أولا بمفاوضات جوبا وما تمخض عنها من اتفاقيات مع الحركات المتمردة، ما رأيكم ابتداء في المنهجية التي سارت عليها المفاوضات؟

المنهجية التي قامات عليها مفاوضات جوبا؛ خالفت حتى ما اتفق عليه في الوثيقة الدستورية، فهذه فترة انتقالية بكل مواصفاتها، وهي لا تقرر في الموضوعات الدستورية الكلية، التي تتوافق عليها الأمة بصورة ديمقراطية، والذين يحكمون الآن ليس لهم تفويض من الجماهير، مع تحفظي على الطريقة التي أتوا بها للحكم، وقد تفاوضوا مع بعض الحركات المسلحة

السودان الدولة الوحيدة في العالم التي يحكمها عدد كبير من الأجانب

واعتبروها أنها تمثل الإقليم، وخاطبوها باسم حركات الكفاح المسلح، وهي حركات متمردة ضد الدولة، وأرادوا أن يكسبوها مصداقية، وهم مجموعة من الأفراد لا يمثلون المجتمع في دارفور، ولا في المنطقتين، وحقيقة هذه الحركات المسلحة، وصلتها بجهات أجنبية واضح منذ سنوات. لهذا صاروا إلى التعجل وتنزيل المشروع الجاري تنزيله، وهو مشروع تأخر عشر سنوات، وهو شامل لكل المنطقة وخصوصا السودان، لذلك سرقوا الثورة، ويسوقونها نحو تفكيك السودان.

ــ ما هي ملامح هذا المشروع الذي تتحدث عنه؟

المشروع مشروع مأسوني، يسعى لتفكيك العالم الإسلامي والسيطرة عليه، وبداية مرحلته التنفيذية الراهنة كانت أحداث 11 سبتمبر 2001م، وجعلوه بداية لاستباحة الدول الإسلامية، وهي الاستباحة التي تجري حتى الآن على قدم وساق، مع اختلاف طفيف في التطبيق بين البلدان، وهذا المشروع يقضي إلى تقسيم السودان إلى خمس دويلات، شمال وجنوب وشرق وغرب ووسط، ولذلك جاءوا في المفاوضات الجارية بجوبا بهذه المسارات الخمس التي تنطبق تماما مع المشروع المأسوني، وساقوا الناس إليها خطوة خطوة، والمسارات الخمس هي اسم الدول التي يراد لها أن تنشأ على أرض السودان، والمفاوضون باسم مسار الوسط والشمال مثلا، من الذي فوضهم، ومتى تم انتخابهم ليتحدثوا باسم هذه المناطق، والتوم هجو مثلا الذي يتحدث باسم مسار الوسط، كان قد خاض الانتخابات باسم الاتحادي الديمقراطي، وهُزم في دائرته الانتخابية، والآن يتحدث باسم الوسط فمن الذي فوضه؟ وإذا كانت أطراف الوطن كلها مهمشة كما يزعمون، إذن لا تهميش، لكنهم يستخدمون التهميش كفقرة من لغة المؤامرة وهي اللغة التي تبرر خداعا لاجراءاتهم التي يقومون بها وهم يسعون لإلغاء الحقائق الاجتماعية والتاريخية المعروفة، ويخاطبون المركز على أساس أنه متهم، مع أنه هو الذي يربط هذه الدولة، ولكل دولة وحضارة مركز، فالعالم الإسلامي مثلا كان مركزه في المدينة المنورة، ثم انتقل إلى بغداد، ثم إلى دمشق، ثم القاهرة.. وهكذا، وكما كان بالنسبة للسودان في سنار يوما وفي كرمة يوما فوجود المركز طبيعي في كل دولة وحضارة

ــ أذا انتقلنا إلى تفاصيل الاتفاقيات، ما رأيك حول ما تم التوصل إليه والاتفاق حوله؟

إعطاء نسبة من الثروة تقدر بـ 40% اعتقد أن هذه نسبة مجحفة، مع ملاحظة اشتراطهم على المركز بعض المهام في الولايات، ولا نفهم هذا الاتفاق إلا في إطار الهدف النهائي وهو تفكيك السودان، والقصد استقلال هذه الأقاليم بأكبر قدر من وظائف الدولة. وما يؤخذ على المفاوض الحكومي أنه لم يأخذ في اعتباره أهداف الخصم والعدو، ولو استصحبها لما وافق على هذا المنهج الذي يقوم عليه التفاوض، وأخطر ما في هذه الاتفاقيات إبقاءهم على القوات المتمردة كوحدات مستقلة، وفي اتفاقية أديس أبابا التي عقدها الرئيس الأسبق نميري مع متمردي الجنوب عام 1972م تم دمج المتمردين داخل القوات المسلحة، والغرض من الدمج ليس تشكيل قوتين، بل تشكيل قوة واحدة وطنية تعمل لأهداف مشتركة، واتفاقية أديس أفضل بكثير من اتفاقيات جوبا، لأنها تزيل ذهنية التمرد وتدمج المتمردين في مؤسسة وطنية واحدة، لكن هنا يحدث العكس، وتثبت لهم أنهم آخر، مع ملاحظة أن المفاوضات إذا كان الغرض منها الوصول إلى نتائج نهائية، كان يجب استصحاب آراء مواطني هذه الولايات وأصحاب المصلحة، وبالعكس فقد تم تجاهلهم تماما. وعقار الذي يتفاوض باسم النيل الأزرق لا يمثل قبائل ومكونات النيل الأزرق الاجتماعية، وإنما يمثل الحركة الشعبية التي قوامها قبائل جنوبية وليست شمالية ، ونيفاشا لم تحقق الغاية

الوطنية، بقدر ما حققت أهداف العدو، وبها الكثير من العيوب كالحدود، وأبيي، وحفرة النحاس وغيرها، لذلك عندما اتجه قرنق

اتجاها وحدويا بعد أن جاء إلى الخرطوم وخاطب الناس وسمع منهم، قاموا بقتله لأن اتجاهه الوحدوي يعارض مخططاتهم.

ــ الذي يجري في الشرق في كسلا وبورتسودان من فتنة قبلية ومواجهات دامية، ما هي أسبابه، وهل تقف جهات خارجية وراءه؟

الذي لا شك فيه أن النزاعات في كسلا وبورتسودان، وعلى الحدود السودانية الأرترية، والسودانية الإثيوبية سيناريو واحد متوافق مع بعضه، وهذا ليس عملا حربيا على الحدود فقط، فقد ظهر أن الجسم الرئيسي فيه يجري في المجتمع السوداني في الشرق، والذين يقرأون عن تقنيات حروب الجيل الرابع، يعرفون أن ما يجري في السودان هو إجراءات هذه الحرب وتطبيقاتها، وأكبر خطأ وقع فيه جهاز المخابرات السوداني عدم تحصين السودان من هذه الحروب، وهذا من صميم عمل الجهاز، وانا اتهم قياداته بهذا التقصير الإجرامي بعدم تحصين الدولة والمجتمع من هذه الحرب باعلامهم عنها وتثقيفهم باجراءاتها وفي تغطية الجرائم الاقتصادية الكبيرة المستمرة ولا زال التقصير مستمرا، والمعلوم أن الصهاينة حينما يعملون في أي دولة يستهدفون أول ما يستهدفون أجهزة المخابرات في الدولة، وبهذا يصلون إلى حماية عناصرهم، وحماية أعمالهم، وتحصين أهدافهم من الكشف، وتجهيل العدو عما يجري فيه، وكل هذا حاصل في السودان حتى الآن، ومنذ ما قبل قيام الثورة وإلى الآن جرت إجراءات كثيرة لتفكيك الدولة بصورة تكاد تكون شاملة لكن لا يجري الحديث عنه.

ــ ما هي مظاهر ضعف الدولة تجاه ما يحدث؟

ضعف أداء أجهزة الدولة كالشرطة والمخابرات، وانتشار عمليات التخريب المنظم دون مساءلة، وفشو الفساد دون محاسبة، وكنت أتوقع بعد الثورة أن تتم محاكمة من باعوا السكة الحديد، ومن فككوا مشروع الجزيرة، وفرطوا في خط هيثرو، وهدموا الخطوط البحرية، هذه جرائم منظمة تمت ضد الدولة، وبدلا من ذلك انشغلوا بمحاسبة من قاموا بانقلاب يونيو 1989م، ولكن المشروع الآن يسعى لتفكيك الدولة ببعدها الإداري والاجتماعي والسياسي والقانوني والعدلي، والعدل أساس الحكم.

ــ ما هي الدلائل على وجود الدور الخارجي خاصة المخابراتي وأثره على ما يجري في السودان؟

أيادي دول الإقليم في الحرب الاقتصادية ضد السودان يعلمها القاصي والداني، وكل هذا يشير إلى مخابرات هذه الدول، وصرح احد مسئولي مخابرات إحدى دول الجوار أن لديهم في كل ثلاثين مترا في السودان رجل، وأحداث الشرق خير دليل على

أيادي دول الإقليم في الحرب الاقتصادية ضد السودان يعلمها القاصي والداني

هذا، وبعض مخابرات دول الإقليم تقوم بعمل صهيوني موكلة به.

ــ البعض ينادي للتطبيع مع إسرائيل باعتبار أن هذا يقود للازدهار الاقتصادي وتحسين علاقتنا من الغرب مما يؤدي إلى النمو والتقدم، ما رأيكم؟

هل من مصلحة إسرائيل أن تنمو الدول العربية والإسلامية، وإذا تم هذا ألا يهدد وجود إسرائيل، فمدار الفكرة الصهيونية إضعاف الدول العربية والإسلامية، والسياسة الدولية الآن قائمة على الصراعات لتعظيم مصالح دول الاستكبار، وتقليل خسائرها على حساب الدول الضعيفة، وهم يتعاملون معنا كأعداء، ويجب أن نتعامل معهم كأعداء، وهذا ليس حاصلا اليوم، والقول بأن التطبيع مع إسرائيل يقود إلى الازدهار الاقتصادي لا يثبت نظريا ولا عمليا، والدول التي طبعت خير دليل على ذلك، والمشروع الصهيوني قام أصلا ضد العالم الإسلامي، والسياسة الدولية لا تقوم على الاستعطاف وطلب الرحمة، وإنما تقوم على إدارة ميزان القوى. والحل الأوحد لمشكلة الشرق الأوسط تقوية العالم العربي والإسلامي، والحديث بندية مع إسرائيل، وهذا لا يحدث إلا بتوحيد جهود العالم العربي والإسلامي المستهدفين وهذا ما تمنعه عنا أمريكا وحلفاؤها والصهيونية.

ــ الثورة السودانية هل تمضي الآن في مساره صحيح، أم انحرفت عن مسارها وتمت سرقتها؟

الثورة التي قامت ضد الإنقاذ صحيحة، لأن الانقاذيين كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه، وعجزوا عن إصلاح ما أفسدوه، بل عجزوا عن استيعاب المجتمع والآخر، نعم هم كانوا محاربين من قوى عظمى، لكنهم فشلوا في لملمة قوى الدولة والمجتمع السوداني في مواجهة هذه القوى المعادية، هذا علاوة على أخطائهم الأخرى، إذن الثورة كانت صحيحة، لكن في تقدير أن الانقاذ في آخر سنواتها قد تم اختراقها من جانب القوى المعادية، بتوظيف عملائها في مفاصل الدولة والمجتمع، والثورة قامت بأسبابها، لكنها لم تصل إلى نتائجها المطلوبة، وقد تمت سرقة الثورة بعمل استخباراتي متقن.

ــ كيف تمت سرقة الثورة وحرفها عن مسارها؟

بداية المسرحية كانت من صناعة حمدوك، فمسرحية تقديمه كوزير للمالية في آخر عهد الانقاذ، ورفضه لهذا العرض، كان تمهيدا لتنصيبه رئيسا للوزراء بعد الثورة، والآن من المعروف ان قوى الحرية والتغيير لا تعرف من الذي يقرر ومن الذي يعيّن، ولذلك بعض القوى السياسية المكونة لقوى الحرية والتغيير أصبح لديهم رأي سلبي فيما يجري كحزب الأمة، والحزب الشيوعي، والمؤتمر السوداني، والبعثيين، والناصريين، إذن من الذي يسوق هذه الثورة، ووضح أن هناك جهات تعمل سرا

الثورة السودانية انحرفت وتمت سرقتها وهذه هي الأدلة .. وأتوقع اندلاع ثورة تصحيحية أو تدخل الجيش

 

لقيادة هذه الثورة، ولا أدل من هذا من أنهم لم يلتزموا بالوثيقة الدستورية، ولم يجر تنزيلها لا في قيام المجلس التشريعي، ولا في اختيار الولاة، ولا حتى في اختيار الولاة وكبار المسئولين ما جعل السودان الدولة الوحيدة في العالم التي يحكمها عدد كبير من الاجانب ومن ثم تم خرق الوثيقة الدستورية على ضعفها.

ــ ما هي السيناريوهات المتوقعة في السودان على المدى المنظور؟

أولا أن يتم تفكيك الدولة السودانية قبل انقضاء الفترة الانتقالية، وهذا هو الهدف الذي تسعى إليه القوى المعادية التي تسوق الأحدث الآن. السيناريو الثاني أن تندلع ثورة تصحيحية تستفيد بأكبر قدر من عيوب وأخطاء هذه الثورة، السيناريو الثالث أن تفيق القوات المسلحة بملاحظة الدرجة الكبيرة من التهديد لوجود الدولة نفسها، فتتدخل قبل انفراط عقد الدولة.

إنضم الى احدى مجموعاتنا على الواتس

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى