
تقرير: الطابية
قررت لجنة شؤون أمن ولاية الخرطوم إلغاء حظر التجوال وأمر الطوارئ في الولاية، بما يسمح للمواطنين بالتنقل وممارسة أعمالهم على مدار اليوم، في خطوة تعكس، وفق السلطات، تحسناً ملحوظاً في الأوضاع الأمنية وقدرة الأجهزة النظامية على بسط الأمن وفرض هيبة الدولة.
جاء القرار بعد أشهر من القيود على الحركة الليلية، فرضتها السلطات ضمن إجراءات استهدفت الحد من الجريمة والتفلتات وتأمين العاصمة التي خرجت من حرب طويلة خلفت أوضاعاً أمنية معقدة.
وكانت شرطة ولاية الخرطوم قد أعادت في 28 يوليو 2026 فرض حظر التجوال ابتداءً من الساعة 11 مساءً وحتى الخامسة صباحاً، بعد انتهاء منافسات كأس العالم، ودعت المواطنين وأصحاب المركبات والمحال التجارية إلى الالتزام بالمواعيد المحددة وإنهاء جميع التحركات مع بدء ساعات الحظر.
وفي 13 أغسطس، عدّلت لجنة أمن الولاية توقيت الحظر ليبدأ عند منتصف الليل بدلاً من الساعة 11 مساءً، وذلك خلال أيام المولد النبوي الشريف، قبل أن تتجه في قرارها الأخير إلى إلغاء الحظر بصورة كاملة.
هل تحسن الأمن.. ماذا تقول الأرقام؟!
ويستند قرار الإلغاء إلى تقييم أمني يرى أن العاصمة أصبحت أكثر قدرة على استيعاب الحركة الليلية دون الحاجة إلى فرض قيود عامة على المواطنين.
وقال المتحدث باسم قوات الشرطة، العميد فتح الرحمن محمد التوم، إن لجنة أمن الولاية ألغت القرار رقم (3) الذي كان يحظر التجوال من الساعة 11 مساءً إلى الخامسة صباحاً، بعد دراسة متأنية للأوضاع، ولا سيما عقب فترات الرفع المؤقت للحظر خلال كأس العالم واحتفالات المولد النبوي.
وتدعم الأرقام التي عرضتها اجتماعات لجنة أمن ولاية الخرطوم خلال عام 2026 مؤشرات التحسن التدريجي في الوضع الجنائي، رغم استمرار تسجيل آلاف البلاغات أسبوعياً. فقد انخفض عدد البلاغات في إحدى المقارنات خلال مايو من 4,475 إلى 3,215 بلاغاً، بتراجع بلغ نحو 28.2%، فيما سجلت الشرطة لاحقاً 3,347 بلاغاً خلال أحد أسابيع يوليو.
وفي أغسطس، بلغ عدد البلاغات 3,453 بلاغاً مقابل 3,527 في الأسبوع السابق، بانخفاض قدره 74 بلاغاً، أي نحو 2.1%. كما تراجعت البلاغات المرورية من 98 إلى 74 بلاغاً، بالتزامن مع حملات أمنية أسفرت عن توقيف متهمين وضبط أسلحة ومخدرات ومنهوبات.
وفي اجتماع اللجنة الذي سبق قرار الإلغاء، أظهرت التقارير الأمنية استمرار نشاط الخلية الأمنية والحملات المشتركة؛ إذ نفذت الخلية 60 عملية أسفرت عن ضبط 70 متهماً، من بينهم عناصر في شبكة تعمل على تهريب السلاح.
كما أسفرت الحملات المرورية عن ضبط 299 مخالفة، شملت 148 عربة غير مرخصة، و81 عربة مظللة، و70 حالة قيادة دون رخصة، إلى جانب ضبطيات في مجال المخدرات.
رفع الحظر لا يعني رفع التأهب
من المهم جدًا الإشارة إلى أن التحسن لا يعني اختفاء الجريمة؛ فقد ظلت اللجنة تتعامل مع النهب والسكن العشوائي ومخاطر المتعاونين مع المليشيا، ووجهت بإعادة الارتكازات والحملات المشتركة، خصوصاً في المعابر والمناطق التي اعتبرتها بؤراً للجريمة.
كما لا يعني رفع حظر التجوال أن السلطات قررت تخفيف قبضتها الأمنية، بل يبدو أقرب إلى الانتقال من الأمن بالقيود إلى الأمن بالانتشار والرقابة.
فقد أكدت لجنة أمن الولاية استمرار الارتكازات والأطواف الأمنية المشتركة في أنحاء العاصمة، مع مطالبة المواطنين بحمل مستندات إثبات الهوية، خصوصاً خلال ساعات الليل المتأخرة.
وتكتسب هذه التحوطات أهمية خاصة في مدينة ما زالت تتعامل مع آثار الحرب، بما فيها انتشار السلاح، وعودة أعداد كبيرة من السكان، ووجود مبانٍ ومناطق متضررة أو خالية، فضلاً عن احتمال ظهور خلايا إجرامية أو مسلحة تستغل اتساع حركة المواطنين ليلاً.
الاختبار يبدأ بعد القرار
ومن ثم، فإن الاختبار الحقيقي لقرار إلغاء الحظر لن يكون في عدد ساعات الحركة المسموح بها، وإنما في قدرة الأجهزة الأمنية على الحفاظ على الاتجاه النزولي في معدلات الجريمة، والاستجابة السريعة لأي طارئ، ومنع عودة مظاهر الانفلات التي دفعت السلطات في وقت سابق إلى فرض القيود الليلية.
ويعكس القرار في جانب آخر عودة الخرطوم تدريجياً إلى نمط الحياة الطبيعية؛ فإتاحة الحركة على مدار الساعة تعني استعادة النشاط التجاري والخدمي، وتخفيف القيود على المواطنين، وتعزيز الشعور بأن العاصمة تجاوزت مرحلة الخطر الأمني المباشر.
لكن نجاح الخطوة سيظل مشروطاً باستمرار الانتشار الأمني والرقابة، وعدم تحول رفع الحظر إلى فرصة للعناصر الإجرامية أو المسلحة لإعادة تنظيم نشاطها.
فالمؤشرات الحالية تمنح السلطات مبرراً لرفع القيود، لكنها في الوقت نفسه تفرض عليها مسؤولية الحفاظ على المكتسب الأمني ومنع أي انتكاسة.
وبذلك، فإن إلغاء حظر التجوال يمثل أكثر من قرار إداري؛ فهو اختبار لقدرة الخرطوم على الانتقال من مرحلة الطوارئ الأمنية إلى مرحلة الاستقرار، دون أن تدفع عودة الحياة الطبيعية ثمنها من الأمن الذي تحقق خلال الأشهر الماضية.
إنضم الى احدى مجموعاتنا على الواتس



