
تقرير: أحمد غباشي
في اتصال هاتفي بين وزير خارجيتها بدر عبد العاطي وكبير مستشاري الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والإفريقية مسعد بولس، جددت مصر التأكيد على ما تصفه بـ”ثوابت موقفها” الداعم لوحدة السودان وسلامة أراضيه ورفض إنشاء كيانات موازية لمؤسسات الدولة، فضلاً عن دعم مسار سياسي سوداني خالص لإنهاء الحرب.
هذه التصريحات تبدو، من حيث المبدأ، متسقة مع موقف الحكومة السودانية التي ترفض أي ترتيبات تؤدي إلى تقسيم البلاد أو إنشاء سلطة موازية. غير أن المشكلة لا تكمن في الخطاب المصري المعلن، بل في الفجوة المتزايدة بين هذا الخطاب وبعض المواقف العملية التي اتخذتها القاهرة خلال الفترة الماضية، بحسب مراقبين.
دعم سياسي معلن.. وتحفظ في المحطات الحاسمة
ظلت مصر منذ اندلاع الحرب تؤكد وقوفها إلى جانب الدولة السودانية ومؤسساتها الرسمية، كما استقبلت مئات الآلاف من السودانيين، ورفضت الاعتراف بأي سلطة موازية للحكومة السودانية.
لكن هذا الموقف تعرض لاختبار حقيقي خلال الأشهر الأخيرة، خصوصاً في الملفات المرتبطة بالتدخلات الخارجية في الحرب. فبينما كانت الخرطوم تنتظر دعماً عربياً صريحاً في مواجهة تدخلاً إثيوبياً وإماراتياً في الصراع، بدا الموقف المصري أكثر حذراً وأقل حدة مما كانت تتوقعه الأوساط السودانية.
وقد برز ذلك بصورة واضحة خلال اجتماعات مجلس جامعة الدول العربية على مستوى وزراء الخارجية في مايو الماضي، عندما لم تتبن القاهرة موقفاً قوياً داعماً للمساعي السودانية الرامية إلى إدانة إثيوبيا التي انطلقت هجمات الطائرات المسيّرة من أراضيها. وهو موقف أثار تساؤلات واسعة داخل السودان بشأن حدود الدعم المصري الفعلي للحليف التقليدي.
حسابات القاهرة المعقدة
يفسر بعض المحللين هذا التباين بأن مصر تتعامل مع الملف السوداني من منظور أوسع من مجرد العلاقة الثنائية مع الخرطوم. فالقاهرة تسعى إلى الحفاظ على شبكة علاقاتها الإقليمية المعقدة، سواء مع دول الخليج أو مع القوى الدولية المؤثرة في الأزمة السودانية.
وفي هذا السياق، يعتقد مراقبون أن النفوذ الإماراتي المتزايد في ملفات المنطقة قد لعب دوراً في دفع القاهرة نحو تبني مواقف أكثر تحفظاً في بعض القضايا المرتبطة بالحرب السودانية، تجنباً لفتح جبهة خلاف جديدة مع أبوظبي في وقت تواجه فيه مصر تحديات اقتصادية وإقليمية متعددة.
كما أن القاهرة تبدو حريصة على الاحتفاظ بدور الوسيط المقبول لدى مختلف الأطراف، وهو ما يجعلها أحياناً تتجنب الاصطفاف الكامل خلف المواقف السودانية الأكثر حدة تجاه بعض الأطراف الإقليمية.
مفارقة “رفض الكيانات الموازية”
من أبرز المفارقات التي تلفت النظر أن مصر تؤكد باستمرار رفضها إنشاء كيانات موازية للدولة السودانية، لكنها في الوقت نفسه لا تظهر القدر ذاته من الحزم تجاه الأطراف الإقليمية التي ثبت تورطها بدعم المليشيا والقوى التي تسعى عملياً إلى فرض واقع سياسي وعسكري موازٍ على الأرض.
ومن هنا يرى منتقدو السياسة المصرية أن الدفاع عن وحدة السودان لا يقتصر على رفض الحكومات الموازية في البيانات الدبلوماسية، بل يتطلب أيضاً مواقف أكثر وضوحاً تجاه الجهات التي تتهمها الخرطوم بتغذية الحرب وإطالة أمدها.
بين المصالح والتحالفات
في النهاية، يبدو أن الموقف المصري تجاه السودان تحكمه معادلة دقيقة بين الالتزام التاريخي بدعم الدولة السودانية وبين شبكة واسعة من المصالح والتحالفات الإقليمية. ولهذا يظهر الخطاب المصري داعماً بقوة لوحدة السودان ومؤسساته الوطنية، بينما تبدو الممارسة السياسية أكثر حذراً وانتقائية في بعض الملفات الحساسة.
ويبقى السؤال المطروح داخل الأوساط السودانية: هل تستطيع القاهرة مستقبلاً ترجمة مواقفها المعلنة إلى خطوات سياسية أكثر انسجاماً مع مطالب الخرطوم، أم أن اعتبارات التوازنات الإقليمية ستظل تفرض على مصر سياسة “الدعم المحسوب” التي تثير كثيراً من علامات الاستفهام لدى السودانيين؟.
هذا أو ذاك، يجب على السودانيون، الذين ظلوا يدفعون فاتورة هذه الحرب المنفق عليها إقليمياً ودولياً من دمائهم واستقراره، يجب عليهم ألا يركنوا إلى النوايا الطيبة وكلمات المساندة التي تبديها بعض الدول الشقيقة، فدائماً في السياسة الدولية ليس هناك “مصير مشترك” إلا في كلمات المجاملة الدبلوماسية.. وإنما دائماً هناك حسابات وحدود للدعم تحكمها المصالح القطرية.



