ما بقي من إرث المليشيا..العصابات المسلحة تُعكِّر صفو مدن السودان
ما بقي من إرث المليشيا..العصابات المسلحة تُعكِّر صفو مدن السودان

تقرير: الطابية
ألقت حادثة الهجوم المسلح على قسم شرطة (الغدار) بالولاية الشمالية، الأيام الماضية، الضوء على وجه جديد لتطور حالة الانفلات الأمني الذي تلا خروج المليشيا من الخرطوم وولايات الوسط.. خلال هذه الفترة وقعت حوادث عديدة استخدم فيها السلاح، الذي انتشر خلال الحرب، في النهب والسلب والقتل وارتكاب شتى أشكال الجريمة، المنظمة وغير المنظمة!.. ولكن الجديد في حادثة قسم الغدار، التي راح ضحيتها قتيل من أفراد الشرطة، بجانب ثلاثة جرحى، الجديد فيها أنها وقعت في إحدى الولايات الآمنة، التي لم تطرقها أقدام الجنجويد ولم يدنسها التمرد!..
*تفاصيل الحادثة:*
قالت حكومة الولاية الشمالية في بيان صحفي يوصف الحادثة: ” أقدمت مجموعة مسلحة على تحييد أفراد الوردية العاملة بقسم شرطة الغدار مما أدى إلى استشهاد سائق عربة الشرطة، وإصابة ثلاثة من أفراد القوة، فضلا عن تعطيل المركبة الشرطية المستخدمة في العمل.
وتابعت: “وفي تطور خطير حاولت ذات المجموعة التوجه نحو البنك الزراعي المحلي، في محاولة للسطو علي المبالغ المالية التي أُودعت في خزانة البنك قبل ساعات من الهجوم.. غير أن المحاولة باءت بالفشل، بفضل المواصفات التأمينية المحكمة لخزانة البنك، والتي حالت دون وصول المعتدين إلى مبتغاهم الإجرامي”.
في هذا البيان إشارات عدة يمكن قراءتها من خلال الوقائع هي؛ ٠ تمدد الحالة في الولايات الآمنة، وجود عصابات منظمة استفادت من حالة السيولة الأمنية الناجمة عن تداعيات الحرب، وجود تخطيط محكم وجرأة في التنفيذ!، وأخيرا ربما وجود اختراق أمني داخل جسم الدولة، حيث أن الغرض من العملية هو محاولة للسطو علي المبالغ المالية التي أُودعت في خزانة البنك قبل ساعات من الهجوم!.. مما يدل على وجود معلومات مسبقة حول حركة المال.
*حوادث سابقة:*
في ولاية الجزيرة، وقعت حادثة، استخدم فيها السلاح أيضاً، وهي حادثة مقتل الطبيب الصيدلي الشاب عبد الله الطيب بقرية العزيبة ريفي محلية رفاعة، حيث وأطلق عليه مسلحون الرصاص أثناء عودته من سوق الحصاحيصا إلى قريته، في 25 يونيو المنصرم، وعثر مواطنو قرية العزيبة على جثته في العراء داخل قريتهم.
ورغم أن الشرطة ألقت القبض على الجناة، إلا أن الحادثة هزت مشاعر السكان البشاعة التي نفذت بها الجريمة، حيث فُصِل الرأس عن الجسد.
وفي حي الحتانة بمدينة أم درمان، لقى الشاب حامد نبيل حتفه أمام منزله، إثر تعرضه لهجوم مسلح نفذته عصابة، وصفت بأنها “9 طويلة”!.. ووفقاً لشهود عيان، فإن أفراد العصابة حاولوا نهب هاتف الضحية، لكنه قاومهم، ما دفعهم إلى إطلاق النار عليه مباشرة، وأردوه قتيلاً في الحال.
وأثارت الحادثة موجة من الغضب والاستنكار في الأوساط الشعبية، بحسب ما أفادت مصادر محلية.
هذا السرد للوقائع الثلاث يعطي وصفاً لتطور الحالة، من أسلوب (9 طويلة) الذي كان سائداً قبل اندلاع الحرب!..
كما أن حملات الشرطة التي تتحدث تقريرها عن كميات كبيرة من السلاح تضع الشرطة يدها عليه، خلال المداهمات التي
تنفذها الشرطة للبيوت المشتبه بها!.
*من يقف خلف الهجمات:*
التحليل العاطفي الانفعالي لكثير من سكان المناطق التي وقعت فيها هذه الحوادث، ذهب باتجاه تحميل أفراد المجموعات المسلحة التي تساند الجيش، والمستنفرين، مسؤولية هذه الحوادث!.. بحساب أنهم يفتقرون إلى الانضباط الكافي، وفي هذا السياق يحمِّل سكان منطقة العزيبة، التي ينحدر منها الطبيب المقتول، بعض التشكيلات العسكرية الموجودة في المنطقة المسؤولية عن الحادث، وطالبوا بإخلاء المناطق المأهولة بالسكان من الجماعات المسلحة.. ومع ذلك لم ثبت التحقيقات شيئاً من هذا القبيل.
ويعتبر كثيرون أن المجرمين الذي أخرجتهم المليشيا من السجون، ومن بينهم عدد كبير من منتظري تنفيذ أحكام الإعدام، هؤلاء حملوا السلاح مع المليشيا ليمارسوا السلب والنهب، ولم يكونوا يتورعون عن إفراغ خزائن ذخيرتهم في أجساد ضحاياهم.. والسلاح نفسه كان يباع جهاراً نهاراً في الأسواق التي يرتادها أفراد المليشيا، من أشهرها (سوق القش) غربي أم درمان!.
ومن جهة أخرى، ما من شك في أن عصابات 9 طويلة التي كانت موجودة لم تنته ولم تتلاش!..بل لابد أن يكون نشاطها قد انتعش، هي واحدة من أخطر الجماعات الإجرامية التي تنشط في العاصمة الخرطوم، وقد تورطت في العديد من حوادث السطو والقتل خلال السنوات.
ومن المحتمل أيضاً أن الخلايا النائمة للمليشيا، وأوشاب المتعاونين، الذين لم يقعوا بعد في قبضة الجيش، هم الذين يمارس هذا الفعل، الذي اعتاده أيام وجود المليشيا!!..
كما أنه ليس بمستبعد وجود دور للجريمة العابرة للحدود مستغلة وضع الهشاشة الأمنية الذي يعيشه السودان.
وبشكل عام لقد أدت السيولة الأمنية التي عاشتها تلك المناطق من البلاد، في ظل سيطرة المليشيا، وبعد خروجها، مع توفر السلاح، إلى زيادة جرأة المجرمين على اقتراف الجرائم..
لقد شاهد الناس في مناطق المليشيا كيف أن حفنة من الجنجويد واللصوص والمجرمين كانوا يجتمعون لينشئوا ارتكازاً وهمياَ يجبون فيه المال من العابرين، بل ويسلبونهم أموالهم ومقتنياتهم!..وكيف أن مجموعات أخرى يجتمعون على قطع الطريق ونهب المسافرين؟!.. وكيف يجتمع آخرون على نهب المحال التجارية والمنازل، بل وكيف ينهب بعضهم بعضاً، ويشتبك بعضهم مع بعض؟!..بل وكان الناس يتسامعون بعصابة فلان وعصابة علان!.. وهكذا تشكلت العصابات المسلحة.
*دور الدولة مكافحة الظاهرة:*
لا شك أن كبح جماح ظاهرة بهذه الخطورة، هو عمل الدولة بالمقام الأول، وفي هذا الاتجاهـ نفذت الحكومة بعض المعالجات الضرورية، ومن أهم تلك المعالجات:
*الطوف الأمني المشترك:*
الذي تم إطلاقه في شهر مايو من العام المنصرم، ويضم قوات من الجيش السوداني ومن الشرطة ومن جهاز المخابرات العامة، يهدف إلى كبح جماح الجريمة والتصدي للمجرمين ومنع الظواهر السالبة..
ويرى الأستاذ أحمد عثمان حمزة أن الطوف الامني المشترك حقق اختراقات كبيرة لتعزيز الحالة الأمنية ونشر الطمأنينة وسط المواطنين لافتاً الى أن المهمة الأساسية للطوف هي تنفيذ أوامر الطوارئ أبرزها منع حركة المواتر التى يستقلها منتحلي صفة القوات النظامية لممارسة الجريمة والتعدي على الممتلكات العامة والخاصة خاصة السرقات التي يقوم بها ضعاف النفوس في أمدرمان القديمة بعد تطهيرها من التمرد.
أما مدير شرطة ولاية الخرطوم الفريق أمير عبدالمنعم فقد أشار إلى أن من إنجازات الطوف المشترك أنه ضبط أعداد كببر من المتفلتين وبحوزتهم مسروقات تخص المواطنين تم التحفظ عليها بواسطة الشرطة فى مواقع آمنة حتى تسلم لأصحابها وفق الإجراءات القانونية، ووصف وقوات الطوف المشترك بالزراع الأيمن لعمليات الأمن الداخلى لولاية الخرطوم لان القوة تضم كافة التشكيلات العسكرية من القوات المسلحة والشرطة وجهاز الأمن والمخابرات العامة.
*إخلاء العاصمة من الوجود المسلح:*
أصدر رئيس مجلس السيادة السوداني، القائد العام للقوات المسلحة، الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، قرارًا بإخلاء العاصمة الخرطوم من جميع الكيانات المسلحة والقوات المقاتلة خلال أسبوعين، وهذه الخطوة من الأهمية بمكان، وكان يجب أن يعمم القرار على جميع المدن، لأنها تقطع الطريق على منتحلي صفة أفراد الجيش أو الحركات المسلحة المساندة للجيش.. وتصبح مهمة حفظ خاصة بقوات الشرطة.
وهاهنا يجب التأكيد على ضرورة تفعيل دور الشرطة، ومن الضروري أيضاً تفعيل الرقابة على الأجهزة النظامية لمنع وقوع أي فساد داخل تلك الأجهزة.
– تفعيل قانون الطوارئ، وإجراء محاكمات ميدانية لمرتكبي تلك الجرائم، لأن معاينة العقوبة من أكبر الزواجر عن لضعاف النفوس.
– ولابد من وضع نظام لحمل السلاح، للحد من ظاهرة المسلحين الذين يتجولون وسط المدنيين العزل ويستغلون ذلك في سلب الناس ونهبهم.
– الارتكازات الأمنية لماذا سُحبت؟.. لا علم لماذا اخليت الشوارع من الارتكازات الكثيرة التي كانت قبل خروج المليشيا، وليس لنا أن نخطِّئ أو نصوِّب فالمسألة مسألة فنية عسكرية خاصة بتقديرات الجيش.. لكن نعتقد أن إعادة نشر ارتكازات للشرطة من شأنه أن يحد إلى درجة كبيرة من حركة المتفلتين.
إن الموقف الأمني في ظل دقيى الانتشار الكثيف للسلاح من شأنه أن يفاقم الأزمة بدرجة لا يعلم مداها إلا الله، فما أسرع ما أن تتطور تلك التشكيلات العصابية إلى شبكات إجرامية يصعب تفكيتها.



