
تقرير: الطابية
في وقت يواجه فيه السودانيون تراجعاً متواصلاً في القوة الشرائية وارتفاعاً في أسعار السلع الأساسية، جاء قرار زيادة سعر الدولار الجمركي بنحو 29.6% ليضيف عبئاً جديداً إلى كلفة الاستيراد، ويفتح الباب أمام موجة أخرى من ارتفاع الأسعار. فقد ارتفع السعر المعتمد لأغراض المعاملات الجمركية من 4346.65 جنيهاً إلى 5631.76 جنيهاً، بزيادة قدرها 1285.11 جنيهاً للدولار الواحد.
وتأتي الخطوة في ظل اضطراب سوق النقد الأجنبي واتساع الفجوة بين السعر الجمركي وسعر الدولار في السوق الموازية، الذي تجاوز، وفق تقارير محلية، 9 آلاف جنيه. وبينما تحتاج الحكومة إلى زيادة إيراداتها لمواجهة عجز الموازنة، يبرز السؤال حول حجم تداعيات هذه السياسة، التي تستهدف معالجة الاختلال المالي في موازنة الدولة، على معيشة المواطنين وقدرتهم الشرائية وما يمكن أن تضعه مم كلفة إضافية في اقتصاد منهك جراء الحرب والسياسات الاقتصادية الخاطئة.
الرسوم ترتفع.. والأسعار مرشحة للحاق بها
لا تعني زيادة الدولار الجمركي بنسبة 29.6% أن أسعار جميع السلع المستوردة سترتفع بالنسبة نفسها؛ فالأثر الفعلي يتوقف على قيمة الرسوم المفروضة على السلعة، وطبيعة الضرائب والرسوم الأخرى، ومدى خضوعها للإعفاءات، فضلاً عن تكاليف النقل والتأمين والتمويل وهوامش التجار.
لكن اتجاه التأثير واضح.. عندما ترتفع القيمة بالجنيه التي تُحتسب على أساسها الرسوم الجمركية، تزداد الكلفة النهائية لاستيراد السلع الخاضعة لها.
وقد تشمل التداعيات الأجهزة الكهربائية والإلكترونية وقطع الغيار والسلع الاستهلاكية، كما يمكن أن تمتد إلى بعض مدخلات الإنتاج التي تدخل في صناعات محلية.
وفي سوق يعاني أصلاً من ضعف المنافسة واضطراب الإمدادات وتراجع قيمة العملة، لا يتوقف الأثر عند حدود الزيادة الفعلية في الرسوم؛ إذ يمكن لبعض التجار أن يرفعوا الأسعار تحسباً لارتفاع تكاليف الشحنات المقبلة، أو أن يستغل آخرون القرار لتوسيع هوامش أرباحهم.. وفي ظل ضعف الرقابة على الأسواق وشفافية التسعير يصبح حجم العبء الذي يتحمله المستهلك كارثياً.
زيادة الإيرادات على حساب الاستهلاك؟
تأتي الزيادة، بحسب ما نقلته وسائل إعلام عن مصدر بوزارة المالية، في سياق السعي إلى تغطية عجز الموازنة ونقص الإيرادات العامة. ومن هذه الزاوية، يبدو القرار محاولة لزيادة الحصيلة الجمركية عبر رفع القيمة المحلية التي تُحتسب على أساسها الرسوم.
غير أن نجاح هذه المعالجة لا يُقاس بحجم الزيادة في التعرفة وحده، بل بصافي الإيرادات التي ستدخل الخزينة بعد احتساب أثرها على حجم الواردات والنشاط التجاري. فارتفاع الرسوم قد يرفع الإيرادات من كل شحنة، لكنه قد يؤدي أيضاً إلى تراجع الاستيراد الرسمي، أو تأجيل بعض العمليات التجارية، أو انتقال جزء من النشاط إلى قنوات غير رسمية إذا اتسعت الفجوة بين كلفة الاستيراد القانوني والبدائل المتاحة.
لن تكون الزيادة مجرد تعديل حسابي في دفاتر الجمارك؛ فنتائجها ستظهر في أسعار السلع، وحجم الواردات، وحركة التجارة والضرائب المرتبطة بها، وحصيلة الإيرادات، وقدرة المواطنين على تلبية احتياجاتهم.
ولذلك فإن الاعتماد المتكرر على رفع الرسوم لتغطية العجز قد يوفر إيراداً سريعاً، لكنه لا يعالج بالضرورة جذور الأزمة المالية، المرتبطة بضعف القاعدة الإنتاجية والصادرات واضطراب النشاط الاقتصادي وتكاليف الحرب. وإذا كان الهدف سد فجوة الموازنة، فإن نجاح القرار يظل رهيناً بألّا يؤدي إلى انكماش النشاط التجاري وتراجع الاستهلاك بما يحد من مكاسبه المالية.
وتحتاج الحكومة، بالتوازي، إلى نشر تفاصيل الإعفاءات والتعرفة الجديدة، ومراقبة انتقال الزيادة إلى أسعار السلع، ومكافحة استغلال القرار، وتوسيع قاعدة الإيرادات عبر الإنتاج والصادرات وتحسين التحصيل بدلاً من الاعتماد المتكرر على الرسوم.
السوق الموازية.. الحلقة التي لا يمكن تجاهلها
تتزامن الزيادة مع صعود سعر الدولار في السوق الموازية إلى مستويات تتجاوز السعر الجمركي الجديد بكثير. ويعني ذلك أن تعديل الدولار الجمركي لا يساوي توحيداً فعلياً لسوق الصرف، ولا يضمن وحده استقرار تكلفة الواردات؛ فالمستورد يظل مضطراً إلى تدبير العملة الأجنبية وفق القنوات المتاحة له، بينما تُحتسب الرسوم وفق السعر الذي تحدده السلطات.
وتكمن المشكلة في تعدد عناصر التكلفة التي تشمل؛ سعر شراء العملة، والشحن والتأمين، والرسوم الجمركية، والضرائب، والنقل الداخلي، وتكاليف التمويل.. ومع ارتفاع هذه العناصر وتذبذبها، يصبح التسعير أكثر صعوبة، ويؤدي غالباً إلى نقل المخاطر إلى المستهلك في صورة أسعار أعلى.
ومن ثم، فإن معالجة الأزمة تتطلب أكثر من تعديل السعر الجمركي؛ فهي تحتاج إلى سياسات تدعم الصادرات وتزيد تدفقات النقد الأجنبي، وتحسن كفاءة التحصيل، وتحد من التهريب والتجنيب، وتوسع الإيرادات غير المعتمدة على تحميل المستهلكين أعباء إضافية.
حجة حماية الإنتاج المحلي
قد يُقال إن ارتفاع تكلفة الواردات يمنح المنتج المحلي فرصة للمنافسة، لكن هذه النتيجة ليست تلقائية، فضعف الإنتاج المحلي في ظل الأوضاع الحالية لا يحتاج إلى إثبات! هذا بالإضافة إلى أن المنتج السوداني، إن وُجد، فهو كثيرًا ما يعتمد على مواد خام أو آلات أو قطع غيار أو مدخلات مستوردة، بالإضافة إلى الوقود، ما يجعل ارتفاع الرسوم عبئاً كبيراً على بعض الأنشطة الصناعية والزراعية أيضاً.
وإذا ارتفعت تكلفة الإنتاج المحلي بالتوازي مع السلع المستوردة، فبالضرورك لن تتحسن القدرة التنافسية بالقدر المتوقع، بل ترتفع الأسعار في السوق عموماً.
لذلك، فإن حماية الإنتاج لا تتحقق بمجرد زيادة كلفة الواردات، وإنما بتوفير مدخلات الإنتاج بأسعار مناسبة، وتيسير التمويل والطاقة والنقل، وتخفيف الرسوم عن المواد الخام والمعدات اللازمة للتصنيع والزراعة.
في هذه الحالة تحتاج الدولة إلى إعلان واضح ومحدد للسلع المعفاة أو المخفضة رسومها، بما يمنع أن تتحول السياسة الجمركية إلى عبء على القطاعات التي يفترض أن تقود التعافي الاقتصادي.
في المحصلة، قد تمنح زيادة الدولار الجمركي الخزينة مورداً إضافياً في الأجل القصير، لكنها لا تمثل علاجاً مستقلاً لأزمة الإيرادات والنقد الأجنبي. أما إذا لم تصاحبها سياسات إنتاجية ورقابية واضحة، فقد تنتهي إلى نتيجة مألوفة في الاقتصاد السوداني: إيرادات إضافية للدولة، تقابلها كلفة أعلى على المواطن، من دون معالجة مستدامة للأسباب التي دفعت الأسعار والعملة إلى هذا المسار.
إنضم الى احدى مجموعاتنا على الواتس



