
تقرير: الطابية
في بلد تتآكل فيه قيمة العملة الوطنية، وتتزايد فيه احتياجات الدولة إلى النقد الأجنبي، تبرز مفارقة الذهب السوداني: كيف يمتلك السودان ثروة معدنية كبيرة، بينما لا تنعكس عائداتها بالقدر الكافي على الموازنة العامة واستقرار الجنيه؟
ما الذي يمنع الحكومة من دخول سوق الذهب بوصفها مشترياً ومصدراً رئيسياً، بدلاً من الاكتفاء بتحصيل الرسوم والعوائد والضرائب؟
هل تكمن المشكلة في في قدرة الدولة على جمع الذهب وتسويقه وتصديره عبر القنوات الرسمية؟.. أم في ضمان توظيف عائداته في خدمة الاقتصاد الوطني؟
الثروة موجودة بكثافة.. فلماذا هذا العجز؟!.
إنتاج كبير وعائدات ضئيلة!
يواجه قطاع الذهب السوداني فجوة بين الإنتاج الفعلي والكميات التي تمر عبر القنوات الرسمية. فالتعدين التقليدي يستحوذ على حصة كبيرة من النشاط، وتشارك فيه أعداد واسعة من المعدنين والتجار والوسطاء، بينما تتسرب كميات من الذهب إلى الأسواق غير الرسمية، بما يحرم الدولة من جزء من عائدات الصادرات والإيرادات العامة.
وتكمن أهمية هذه الفجوة في أن الذهب يمثل أحد أهم مصادر النقد الأجنبي المتاحة للسودان. فكل كمية تُصدَّر خارج النظام الرسمي تعني ضياع فرصة للاستفادة من حصيلتها في تمويل الواردات الأساسية، أو تعزيز احتياطيات البنك المركزي، أو دعم إيرادات الدولة.
لماذا لا تصبح الحكومة لاعباً رئيسياً في سوق الذهب؟
من حيث المبدأ، لا شيء يمنع الحكومة الدخول في سوق الذهب كمنتج، ولو عبر الشراكات ذات القدرة المالية، كما تستطيع شراء الذهب من المنتجين والتجار، ثم تصديره عبر مؤسسات متخصصة، بما يتيح لها الاستحواذ على حصة أكبر من عائداته.
وقد سبق لبنك السودان المركزي أن اضطلع بأدوار مباشرة في شراء الذهب وتصديره.
كما أعلنت وزارة المالية في مايو 2026 موجهات لتعظيم عائدات تجارة الذهب وصادراته، تضمنت التنسيق بين المؤسسات المعنية بشأن أسعار الشراء والتمويل وتنظيم الأسواق والحد من التصدير خارج القنوات الرسمية.
وعليه، فإن التحدي الأساسي ليس غياب الفكرة، بل القدرة على تنفيذها بكفاءة وعلى نطاق واسع.
وتواجه الحكومة في هذا المسار ثلاثة تحديات رئيسية:
أولاً: توفير التمويل. يحتاج شراء الذهب إلى سيولة متاحة للدفع الفوري، في حين لا تتحقق حصيلة التصدير إلا بعد استكمال إجراءات البيع والشحن والتسوية. وإذا لم تستطع الدولة توفير الأموال اللازمة، فستجد صعوبة في منافسة التجار الذين يدفعون للمعدنين بسرعة.
ولكن سبق للسودان أن تجاوز إشكاليات التمويل في استخراج الواردات، بالدخول في شراكات واضحة المعالم، وتجربة استخراج النفط خير مثال لذلك!.. وأثرها في تحقيق الاستقرار الاقتصادى لا يستطيع أحد إنكاره! فلماذا تتراجع الدولة من دور المنتج إلى دور المنظم وجابي الرسوم؟! هذا سؤال لا يجد إجابة؟
ثانياً: منافسة السوق غير الرسمية. لن ينجح الشراء الحكومي بمجرد فرض القيود على التهريب؛ إذ يتطلب توفير أسعار تنافسية، وإجراءات مبسطة، وسداداً سريعاً للمستحقات. فكلما أصبح البيع للقنوات الرسمية أكثر جدوى، زادت فرص استقطاب الإنتاج المحلي.
ثالثاً: ضعف القدرة التشغيلية والرقابية. يحتاج تصدير الذهب إلى منظومة فعالة للشراء والتجميع والتكرير والنقل والتأمين والتسويق الخارجي، فضلاً عن رقابة مالية تمنع التلاعب وتضمن وصول العائدات إلى وجهاتها المحددة. وتزداد هذه المتطلبات صعوبة في ظل ظروف الحرب واضطراب طرق التجارة.
هل يستطيع الذهب إنقاذ الجنيه السوداني؟
عندما تنتج الدولة الذهب المحلي أو تشتريه وتصدره رسمياً، تستطيع الحصول على عملات أجنبية تستخدمها في تمويل واردات الغذاء والوقود والدواء، أو تعزيز احتياطيات البنك المركزي. ومن شأن زيادة المعروض الرسمي من النقد الأجنبي أن تخفف الضغوط على السوق الموازية، إذا اقترنت بسياسات نقدية ومالية مناسبة.
لكن الأثر يتوقف على كيفية إدارة العائدات. فإذا لم تكف الحكومة عن إنفاق حصيلة الصادرات دون ضبط العجز المالي، أو لم تتوقف عن التوسع في إصدار العملة المحلية لتمويل نفقاتها، فقد يتبدد جزء كبير من الفائدة المتحققة.
يتطلب الأمر الانتقال من القرارات العامة إلى منظومة تنفيذية واضحة، تقوم على خمسة إجراءات مترابطة:
إنشاء آلية حكومية فعالة للإنتاج والشراء والتصدير، بأسعار معلنة ومرتبطة بالأسعار العالمية، مع مراعاة تكاليف التشغيل وهوامش الربح المعقولة.
معالجة مشكلة التمويل، إما بالشركات أو بتوفير رأس المال التشغيلي وفق خطة تراعي قدرة الدولة على الدفع وتجنب التوسع غير المنضبط في إصدار النقود أو الاستدانة.
عبر إنشاء مراكز قريبة من مناطق التعدين، لتسهيل وضبط عمليات الشراء الرسمي، وتبسيط الإجراءات المصرفية، وتسريع دفع مستحقات المنتجين، بما يجعل التعامل الرسمي أكثر جاذبية من التهريب.
تعزيز الشفافية والرقابة، بنشر بيانات دورية عن الكميات المنتجة والمشتراة والمصدرة، وأسعار البيع، وتكاليف التشغيل، وصافي العائدات التي وصلت إلى البنك المركزي والخزانة العامة.
وأخيراً؛ تحديد أولويات استخدام العائدات، بتوزيعها وفق قواعد واضحة بين تمويل الواردات الاستراتيجية، وتعزيز الاحتياطيات الأجنبية، وتوفير إيرادات فعلية للموازنة، مع إخضاع الإنفاق للرقابة والمساءلة.
وتظل معالجة التهريب جزءاً أساسياً من هذه المنظومة، لكنها تحتاج إلى الجمع بين الرقابة الأمنية والحوافز الاقتصادية، والحسم الأمني، والعقوبة الرادعة.
يمتلك السودان في الذهب مورداً استراتيجياً يمكن أن يساعد في تمويل الموازنة، وتوفير النقد الأجنبي، تحقيق الاستقرار للجنيه. غير أن الاستفادة منه تتوقف على قدرة الدولة على منافسة السوق غير الرسمية، وقمع التهريب، وتوجيه العائدات إلى الاستخدامات ذات الأولوية.
الذهب يستطيع أن يصبح رافعة مهمة للاقتصاد إذا اقترنت إدارته بإصلاح المالية العامة، وضبط السيولة، وتوفير النقد الأجنبي، وتعزيز الثقة في المؤسسات الاقتصادية.



