حظر الفول المصري.. حماية للإنتاج أم عبء جديد على مائدة السودانيين؟

تقرير: الطابية
عاد قرار حظر استيراد الفول المصري إلى الواجهة في السودان، وسط تساؤلات بشأن جدواه الاقتصادية وانعكاساته على سوق سلعة غذائية أساسية يعتمد عليها ملايين السودانيين، في وقت لا يبدو فيه الإنتاج المحلي كافياً لتغطية كامل احتياجات الاستهلاك.
ويأتي القرار في إطار محاولات الحكومة لتنظيم الاستيراد، وتقليل الضغط على النقد الأجنبي، والحد من تقلبات سعر الصرف، وتشجيع الإنتاج المحلي وإحلال الواردات، وفقاً لما لتعليلاتها. وكانت الحكومة قد أعلنت في أبريل الماضي حزمة إجراءات بهدف تحقيق توازن أكبر بين الواردات والصادرات وتقليل الاعتماد على السلع المستوردة.
وكان الفول المصري قد ظهر ضمن قائمة أولية للسلع المحظورة في أبريل، قبل أن يُستبعد من القائمة النهائية المنشورة في 28 أبريل، غير أن القرار عاد إلى التطبيق لاحقاً؛ إذ أصدر وزير الزراعة والري في 2 أكتوبر قراراً بعدم إصدار شهادات عدم ممانعة لاستيراد الفول المصري، مستنداً إلى قرار رئيس الوزراء رقم 74 الصادر في 12 أبريل.
الدولار والإنتاج المحلي
تستند فلسفة القرار، وفق التعليلات الحكومية، إلى تقليل الطلب على النقد الأجنبي. فكل شحنة مستوردة تعني خروج عملة صعبة، بينما ترى الحكومة أن السلع التي يمكن إنتاجها محلياً ينبغي أن تجد مساحة أكبر أمام المنتج السوداني.
ويندرج ذلك ضمن سياسة إحلال الواردات التي تستهدف تقليل الاعتماد على الخارج، وتحفيز المزارعين على زيادة الإنتاج، وتحويل الطلب المحلي إلى سلع منتجة داخل البلاد.
وتكشف بيانات التجارة الدولية أن أكبر الدول الموردة للفول المصري إلى السودان كانت إثيوبيا كانت بمتوسط صادرات تجاوز 13.3 مليون كيلوغرام، بقيمة 9.97 مليون دولار. تليها المملكة المتحدة بنحو 1.47 مليون كيلوغرام، بقيمة 832 ألف دولار، وفي المرتبة الثالثة مصر بنحو 1.36 مليون كيلوغرام، بقيمة 737 ألف دولار، ثم الإمارات بنحو 265 ألف كيلو جرام، بقيمة 139 ألف دولار.
وتكتسب هذه الأرقام أهميتها في ظل كون الفول من أهم محاصيل البقول في السودان ومن الأغذية الأساسية في المدن، بينما تشير بيانات منظمة الأغذية والزراعة إلى أن الطلب المحلي يتجاوز المعروض؛ وهو ما يعني أن حظر الواردات لا يلغي الحاجة إلى الاستيراد بالضرورة، وإنما قد يعيد توجيهها إلى مصادر أخرى، أو يدفع جزءاً منها إلى قنوات غير رسمية، ما لم تتمكن الزراعة المحلية من سد فجوة العرض.
تواجه السياسة الحكومية اختباراً صعباً عندما يتعلق الأمر بسلعة مثل الفول، الذي لا يمثل بالنسبة للمستهلك السوداني سلعة تكميلية يمكن الاستغناء عنها بسهولة، وإنما يدخل في صميم النظام الغذائي اليومي لقطاعات واسعة من المواطنين، ولا سيما أصحاب الدخول المحدودة.
وهنا تبرز المشكلة الأساسية: هل يستطيع الإنتاج المحلي بالفعل سد الفجوة التي سيتركها الفول المصري؟
فإذا كانت الإجابة بالنفي، فإن منع الاستيراد لا يلغي الطلب على السلعة، وإنما سيبحث هذا الطلب عن مصدر آخر. وقد تكون النتيجة نقصاً في المعروض، وارتفاعاً في الأسعار، واتساعاً لنشاط التهريب والأسواق غير الرسمية.
المواطن في مواجهة فجوة المعروض
بالنسبة للمواطن، لا تتوقف المسألة عند توفير الدولار أو حماية المنتج المحلي. فالفول جزء من مائدة يومية، وأي نقص في المعروض أو ارتفاع في سعره ينعكس مباشرة على كلفة الغذاء.
وفي اقتصاد يعاني أصلاً من ارتفاع الأسعار وتراجع القوة الشرائية، يمكن أن يتحول حظر سلعة أساسية -لا يغطي الإنتاج المحلي كامل احتياجاتها- إلى عبء إضافي على المستهلك.
وقد يؤدي ارتفاع السعر إلى إلى وضع الأسر أمام خيارين؛ تقليل الكميات المستهلكة، أو الانتقال إلى بدائل أقل تكلفة، وفي حالة الخيار الثاني سيرتفع أيضاً سعر البديل بسبب كثرة الطلب، بينما قد يجد التجار أنفسهم أمام سوق تتسم بشح المعروض وتقلب الأسعار.
والأخطر أن الفارق بين السعر الرسمي والسعر الذي يفرضه نقص السلعة قد يخلق حافزاً للتهريب، بما يعني أن السلعة ستصل إلى المستهلك في نهاية المطاف، ولكن بسعر أعلى ومن خارج القنوات الرسمية.
الجمارك: الحظر له كلفة أخرى
المفارقة الأبرز في القرار أن الجمارك السودانية نفسها طلبت في 29 سبتمبر من مجلس الوزراء فك الحظر عن الفول المصري والأرز.
وتستند رؤية الجمارك إلى أن استمرار الحظر أدى إلى نقص في المعروض، وشجع على التهريب، وفي الوقت نفسه حرم الدولة من إيرادات جمركية كان يمكن تحصيلها من الاستيراد النظامي.
وهذا يضع القرار أمام معادلة اقتصادية معقدة: الحكومة تريد تقليل الاستيراد وتوفير النقد الأجنبي، بينما ترى الجمارك أن منع الاستيراد بالكامل قد يدفع جزءاً من التجارة إلى خارج النظام الرسمي، فتخسر الدولة الإيرادات دون أن تختفي السلعة من السوق.
وهنا تحديداً تكتسب مطالبة الجمارك بإعادة النظر في الحظر أهميتها؛ لأنها تضع أمام الحكومة جانباً آخر من المعادلة: قد لا يكون الخيار بين «الاستيراد» و«الإنتاج المحلي» فقط، وإنما بين استيراد منظم يرفد الخزانة العامة بالإيرادات، واستيراد غير رسمي تغذيه الندرة والتهريب.
وتبقى المسألة الأساسية أمام الحكومة هي كيفية تحقيق التوازن بين هدفين متعارضين ظاهرياً: حماية الإنتاج المحلي وتوفير النقد الأجنبي من جهة، وضمان توفر الغذاء بأسعار يستطيع المواطن تحملها من جهة أخرى.
فحظر الاستيراد قد يمنح المنتج المحلي فرصة أكبر، لكن هذا يظل مجرد حديث نظري لا حقيقة له في الواقع ولن يحقق هدفًا ما لم تتوافر في المقابل قدرة إنتاجية حقيقية تغطي الطلب، وسياسات للتمويل والتخزين والنقل والتسويق تمنع ارتفاع تكلفة المنتج السوداني.
وفي النهاية، لا يقيس المواطن نجاح القرار بكمية الدولارات التي تم توفيرها، وإنما بما يحدث في السوق: هل أصبح الفول متوافراً وبسعر أقل، أم أصبح أكثر ندرة وأعلى تكلفة؟



