أخبارأخبار االسودانمقالات

لا توجد أزمة.. هل يقيس كامل إدريس الوقود أم يقيس صبر السودانيين؟

أحمد غباشي

يبدو أن السودان اكتشف أخيراً الطريقة المثلى لحل أزماته؛ (المسطرة)!
وقع هذا الاكتشاف حين تفقد رئيس الوزراء كامل إدريس، برفقة وزير النفط ووالي الخرطوم، عدداً من محطات الوقود، ووقف أمام إحدى المحطات، يحدق في العامل وهو يمسك بماسورة قياس الخزان، وينزلها إلى جوفه، ثم يخرجها أمام الكاميرات، وقد قاس بها مستوى الوقود.. ليصدع رئيس الوزراء، بعد التجربة، بالهتاف أمام الكاميرات “الله أكبر.. لا توجد أزمة وقود ولا أزمة غاز في السودان”!..
نعم.. لا توجد أزمة، رغم أنوف كل صفوف السيارات، ورغم أنوف المواطنين المنتظرين لساعات طويلة يقضيها المواطنون انتظاراً لدورهم في محطة وقود.. وربما تمضي أيام قبل أن يظفر أحدهم بفرصة لتعبئة خزان سيارته!.
وهنا لابد أن يدخل السودانيون، كعادتهم، إلى غرفة العمليات.. وتنفجر السخرية في وجه الرئيس.
قال أحدهم: إن الواقفين بسياراتهم ربما كانوا ينتظرون الصلاة.. وعلق آخر أن هذه الصفوف ليست صفوف وقود، وإنما معارض سيارات!..
وذهب ثالث إلى قراءة أكثر تخصصاً للمشهد، فقال إن طول ماسورة القياس أربعة أمتار وعرضها 12 سنتيمتراً، «ويبدو أنها مقاسنا المرتقب».
ليست المشكلة في النكات، فالنكتة هنا ليست سوى مقياس ضغط؛ تنفيس اجتماعي عن فجوة هائلة بين ما يراه المواطن بعينيه وما يسمعه من المسؤول.
حين يقول المواطن إن سيارته تقف منذ ساعات أو ليلة كاملة أمام محطة الوقود، فإن السؤال الذي ينتظره ليس قراءة الخزان، وإنما: لماذا وصلنا إلى هنا؟ ومتى تنتهي هذه المعاناة؟
المشكلة أن هذا المشهد يأتي ضمن سلسلة من المقاربات التي تجعل المواطن يشعر أحياناً بأن الحكومة تتعامل مع الأزمات باعتبارها مشاهد رمزية تحتاج إلى صورة تلفزيونية، لا مشكلات تحتاج إلى سياسات.
أزمة الأسواق تُعالج بإعفاءات ضريبية لتجار عن سنوات حرب، وهي في أصلها سنوات استثنائية كان النشاط الاقتصادي فيها نفسه يعاني الانهيار!
وأزمة الإنتاج تُقابل أحياناً بمشهد رياضي رمزي: رئيس الوزراء يركض في الشارع مرتدياً «فانيلة داخلية» وحاملاً في يده حزمة قمح، وكأن مشكلة الزراعة السودانية كانت في غياب اللياقة البدنية للمسؤولين!
أما قضية المقاتلين الأجانب، ومن بينهم الكولومبيون، فتبدو المعالجة وكأنها انتقلت من غرف العمليات العسكرية إلى دروس اللغات؛ خطاب إلى الشعب الكولومبي باللغة الإسبانية!
ومهما افترضنا حسن النية، فإن الدولة لا تُدار بالرموز ولا بالمشاهد الاستعراضية.. المواطن يريد وقوداً، والمنتج يريد مدخلات، والمزارع يريد سوقاً، والجندي يريد سلاحاً، والاقتصاد يريد سياسة نقدية ومالية واضحة، والدولة تريد جهازاً تنفيذياً يعرف أين تكمن المشكلة وكيف يعالجها.
ولذلك فإن السخرية التي طالت رئيس الوزراء ليست مجرد «تنمر على مسؤول». إنها، في جانب منها، احتجاج على طريقة معالجة الأزمات التي تعتمد إدارة الصورة في بلد يتطلب إدارة الواقع.
وحين يطالب البعض رئيس الوزراء بالترجُّل عن المنصب، حتى وإن جاءت في صيغة ساخرة على منصات التواصل، فإن ذلك يكشف أن الفجوة لم تعد بين المواطن ومحطة الوقود فقط؛ بل بدأت تتسع لتشمل الطريقة التي يرى بها حكومته وهي تتعامل مع أزماته.
ربما كان الأجدى بعد قياس الخزان أن تُقاس أشياء أخرى: مدى صبر المواطن، وقدرته على ابتلاع الفشل بالسخرية.. كما يجب، من جانب آخر، قياس عدد الاجتماعات التي عقدتها حكومة الأمل والقرارات والإجراءات التي اتخذتها لمعالجة الكارثة الاقتصادية، بالنسبة لحجم الأثر على الأزمات..
أما إذا كانت الحكومة لا ترى وجوداً لتلك الأزمات، فربما تحتاج إلى مقياس أطول من ماسورة الوقود.

إنضم الى احدى مجموعاتنا على الواتس

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى