أخبارأخبار االسودانسياسةمقالات

هل أعلنت واشنطن الحرب الناعمة على السودان؟!

أحمد غباشي

حين ترفض دولة عظمى الاعتراف بحكومة دولة ذات سيادة، وتمنع رئيسها من دخول أراضيها لإلقاء كلمته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، وتصر على فرض تسوية تمنح المتمردين ما لم يحققوه في الميدان، فإننا لا نتحدث عن دبلوماسية، بل عن حرب ناعمة مكتملة الأركان.
ما تفعله الولايات المتحدة مع السودان اليوم ليس موقفاً سياسياً عابراً، بل هو سلوك يضرب في عمق السيادة الوطنية، ويتعامل مع الدولة السودانية كأنها كيان تابع لا يحق له أن يقول “لا”.
منذ أشهر، تدفع واشنطن بمقترح هدنة إنسانية لمدة تسعين يوماً، وتتعامل مع التعليقات السودانية عليه كأنها غير موجودة. الحكومة السودانية ردّت بوضوح: انسحاب كامل للمليشيا من كل المدن التي احتلتها منذ مايو 2023، قبل أي هدنة. لكن الإدارة الأمريكية تجاهلت هذا الرد، وواصلت الضغط لإجبار الخرطوم على قبول صيغة تجمد الوضع العسكري، وتتيح للمليشيا التقاط أنفاسها وإعادة ترتيب صفوفها. هذه ليست وساطة سلام، بل هندسة هدنة لصالح طرف مهزوم ميدانياً.
ثم جاءت تصريحات مسعد بولس، مستشار الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والإفريقية، لتكشف النوايا الحقيقية. قال إن واشنطن “لا تعترف رسمياً بالحكومة السودانية الحالية”، لكنها تتعامل معها “كسلطة أمر واقع”. بهذه العبارة، أسقطت الإدارة الأمريكية شرعية حكومة تمثل دولة عضو في الأمم المتحدة، وتمسك بمقعدها في المنظمة الدولية. والمثير للغثيان أن واشنطن تقول إنها ترفض الاعتراف بأي حكومة موازية، لكنها في الوقت نفسه ترفض الاعتراف بالحكومة الشرعية. هذا تناقض مكشوف، هدفه إبقاء السودان في منطقة رمادية، بلا شرعية ولا سيادة، حتى تُفرض تسوية تحقق أجندات خارجية لا علاقة لها بمصلحة السودانيين.
أما قضية منع البرهان من دخول الأراضي الأمريكية لإلقاء كلمته أمام الجمعية العامة، فهي وصمة عار في جبين الإدارة الأمريكية، بل في جبين الأمم المتحدة التي سكتت عن هذا الاستهتار بمكانتها!.. فحتى في أحلك فترات الصراع، لم يُمنع رؤساء الدول من مخاطبة العالم من منبر الأمم المتحدة، بغض النظر عن الخلافات السياسية.. لكن واشنطن فعلتها، وربطت منح التأشيرة بموافقة الخرطوم على المقترح الأمريكي. هذا ليس إجراءً دبلوماسياً، بل ابتزاز صارخ، واستخدام غير محترم لموقع الدولة المضيفة كورقة ضغط سياسي.
إن الولايات المتحدة تستغل موقعها كدولة مقر للأمم المتحدة لتوظيف المنظمة الدولية في خدمة أجنداتها. هي تدفع بمشروع توسيع حظر السلاح ليشمل كامل الأراضي السودانية، لتقيد قدرة الجيش الوطني على الدفاع عن نفسه، بينما تغض الطرف عن شبكات الإمداد الخارجية التي تزود المليشيا بالسلاح والمرتزقة.. الجيش السوداني الذي يحمي المدنيين ويحرر المدن، يُطلب منه أن يتوقف عن القتال، بينما المليشيا التي ترتكب الإبادة الجماعية، لا يُطلب منها أكثر من أن “تنسحب انسحاباً محدوداً” من بعض المناطق!
والأمم المتحدة، للأسف، عاجزة عن اتخاذ أي إجراء ضد هذا الاستهتار الأمريكي. مجلس الأمن يتحرك وفق مصالح الدول الكبرى، والأمانة العامة لا تملك أدوات إلزام الولايات المتحدة باحترام ميثاق المنظمة. بهذا المعنى، تحولت الأمم المتحدة إلى منصة يتحدث فيها الجميع عن القانون الدولي، بينما تُنتهك مبادئه بأفعال من القوة العظمى نفسها.
مجمل التصرفات الأمريكية ضد السودان لا تشبه الدبلوماسية بأي شكل. إنها تشبه إعلان حرب ناعمة، بأدوات أقل عنفاً من القنابل، لكن أشد فتكاً بالسيادة والمؤسسات الوطنية. عدم الاعتراف، وتجاهل السيادة، ومنع الرئيس من دخول الأراضي الأمريكية، وفرض مقترحات تمدد عمر المليشيا وتضعف الجيش، كل هذه مكونات سياسة واضحة الغرض منها هو إخضاع السودان لإرادة واشنطن، لا إنهاء معاناة السودانيين.
الذي يجب على الحكومة السودانية أن تفعله هو المضي قدمًا في الحسم العسكري للتمرد دون إعطائه أي فرصة لاسترداد أنفاسه، وقبل حلول الشتاء، الذي اعتبره بولس في أحد تصريحاته توقيتًا لتبدُّل موازين القوة!!.. مما يكشف النية الكامنة وراء كل هذه الإجراءات.
وفي مواجهة واشنطن، ينبغي على الخرطوم أن توقف التعامل مع واشنطن كوسيط محايد، وأن تتوجه بمقترحاتها مباشرة إلى مجلس الأمن والاتحاد الأفريقي والمنظمات الإقليمية، مع كشف التناقض الأمريكي أمام الرأي العام الدولي. كما يجب عليها التمسك بموقفها الرافض لأي مقترح لا يتضمن انسحاباً كاملاً للمليشيا ومحاسبتها على جرائمها.. ومن الضروري كذلك أن تعمل على بناء تحالفات جديدة مع دول لها مصلحة في استقرار السودان، بعيداً عن المحور الداعم المليشيا..
السودان ليس دولة بلا خيارات، والوقت يمضي، لكن أرض السودان ستبقى، ولابد من يوم يحاسب فيه كل من استهان بشعبها وسيادتها.

إنضم الى احدى مجموعاتنا على الواتس

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى