أخبارأخبار االسودان

إعفاء الطاقة الشمسية من الرسوم.. هل يكفي لإنارة بيوت السودانيين؟

تقرير: الطابية

أصدر رئيس الوزراء كامل إدريس قراراً بإعفاء منظومات الطاقة الشمسية المستوردة للاستخدام الشخصي من الجمارك والضرائب وكافة الرسوم الحكومية الأخرى، موجهاً وزارات المالية والطاقة والصناعة والتجارة وبنك السودان والهيئة السودانية للمواصفات والمقاييس والجهات ذات الصلة بتنفيذ القرار.
ويأتي القرار في وقت أصبحت فيه الطاقة الشمسية بالنسبة لكثير من السودانيين بديلاً اضطرارياً عن شبكة كهرباء تضررت بشدة جراء الحرب، بينما لا تزال تكلفة شراء المنظومات تشكل عائقاً أمام قطاعات واسعة من المواطنين.
لكن السؤال الأهم هو: هل يؤدي إسقاط الرسوم وحده إلى انخفاض ملموس في أسعار المنظومات، أم أن جزءاً كبيراً من المشكلة يقع خارج نطاق الجمارك والضرائب؟

خطوة في الاتجاه الصحيح.. لكنها لا تكفي

من حيث المبدأ، يمثل إعفاء المنظومات الشمسية من جميع الرسوم الحكومية قراراً يمكن أن يخفض تكلفة الاستيراد، وبالتالي يفتح المجال أمام انخفاض أسعار البيع للمستهلك.
لكن أثر القرار سيظل محدوداً إذا لم تنتقل قيمة الإعفاء كاملة إلى السعر النهائي. فالمنظومة المستوردة لا يتحدد سعرها بالرسوم الجمركية وحدها، وإنما يدخل في تكلفتها سعر الصرف، وتكلفة التمويل، والشحن والنقل والتخزين، وهوامش المستوردين والتجار، وتكاليف التركيب، وأسعار البطاريات والمحوّلات والألواح ومكوناتها المختلفة.
وبالتالي، فإن إلغاء الرسوم يعالج جزءاً من تكلفة المنظومة، وليس كامل التكلفة.

لا يشمل القرار الاستيراد التجاري

هنا تظهر إحدى أهم نقاط القرار.. الإعفاء، وفق نصه، مخصص للمنظومات المستوردة للاستعمال الشخصي، وليس للاستيراد التجاري. وهذا يعني أن المستورد الذي يجلب كميات بغرض بيعها في السوق لا يستفيد بالضرورة من الإعفاء نفسه.
وهذه النقطة قد تحد من الأثر المباشر للقرار على السوق؛ لأن غالبية المواطنين الذين يريدون تركيب منظومة شمسية لا يستوردونها بأنفسهم من الخارج، وإنما يشترونها من شركات وتجار موجودين داخل السودان.. وبعبارة أخرى: قد يصبح المواطن الذي يستطيع الاستيراد الشخصي قادراً على الحصول على المنظومة بسعر أقل، بينما تظل المنظومات المعروضة في السوق التجاري محملة بتكاليف ورسوم أخرى.. وهذا قد يخلق سوقين بأسعار مختلفة بدلاً من خفض عام ومستدام للأسعار.
كما أن تحديد الإعفاء بالاستخدام الشخصي يحتاج أيضاً إلى آليات واضحة لمنع إساءة استخدامه.. فإذا كان الإعفاء غير محدد بضوابط دقيقة للكميات والمواصفات وطبيعة المستفيد، فقد يحاول بعض التجار تمرير واردات تجارية تحت غطاء الاستعمال الشخصي.
وفي المقابل، فإن التشدد المبالغ فيه في إثبات الاستخدام الشخصي قد يجعل الاستفادة من القرار معقدة بالنسبة للمواطن العادي.
لذلك تحتاج الجهات المختصة إلى وضع تعريف واضح للاستيراد الشخصي، وسقف للكميات، وإجراءات مبسطة وسريعة، مع منع تحويل الإعفاء إلى منفذ للتهرب الجمركي.

ما الذي يحتاجه السوق؟

التجربة الدولية في دعم الطاقة الشمسية تشير إلى أن الإعفاءات الضريبية والجمركية تكون أكثر فاعلية عندما تأتي ضمن حزمة أوسع تشمل التمويل وتسهيل الإجراءات ودعم المستهلك. وقد أوصى برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في تقرير حديث بشأن السودان بتبسيط الإجراءات الجمركية وإعفاء المكونات المعتمدة، إلى جانب إنشاء آليات تمويل تساعد الأسر والمزارعين والمنشآت الصغيرة على تجاوز كلفة الاستثمار الأولية المرتفعة.
ومن ثم، فإن خفض الأسعار بصورة حقيقية ومستدامة يتطلب عدة قرارات موازية:
أولاً: معالجة سعر الصرف، فإذا ظلت تكلفة الدولار مرتفعة ومتقلبة، فإن انخفاض الرسوم لن يكون كافياً لتعويض ارتفاع تكلفة الاستيراد.
ثانياً: فتح المجال للاستيراد التجاري المعفى أو المخفض، فإذا كان الهدف هو خفض أسعار السوق، فمن المنطقي أن تشمل الحوافز الشركات المستوردة، وفق ضوابط تضمن انتقال التخفيض إلى المستهلك، وليس الاقتصار على الاستيراد الشخصي.
ثالثاً: توفير التمويل، حيث غالبًا ما تدفع تكلفة المنظومة دفعة واحدة في الغالب، وهو ما يجعلها بعيدة عن قدرة كثير من الأسر. ويمكن للبنوك توفير تمويل ميسر طويل الأجل لشراء المنظومات، بحيث يتحول سعرها المرتفع إلى أقساط يمكن تحملها.
رابعاً: ضبط هوامش الربح والمنافسة، لا يعني إعفاء السلعة من الرسوم بالضرورة أن التاجر سيخفض سعرها بالقيمة نفسها. لذلك فإن زيادة عدد المستوردين وتسهيل المنافسة، مع مراقبة الأسواق ومنع الاحتكار، قد يكون لها أثر أكبر على السعر النهائي.
خامساً: توحيد المواصفات، فالسوق السوداني يحتاج إلى منظومات ذات جودة معروفة، خصوصاً البطاريات والمحوّلات، حتى لا يؤدي البحث عن الأرخص إلى انتشار منتجات منخفضة العمر والكفاءة.

إلى أي مدى قد يخض الإعفاء السعر؟

من الصعب تحديد نسبة انخفاض متوقعة دون معرفة هيكل الرسوم الذي كان يطبق فعلياً على كل مكون، وتكلفة الاستيراد وسعر الصرف وهوامش التجار.
لكن اقتصادياً يمكن القول إن الإعفاء سيؤدي إلى خفض تكلفة المنظومة بمقدار الرسوم التي كانت ستُدفع عليها، إذا انتقل أثر الإعفاء كاملاً إلى المستهلك، أما إذا بقيت تكاليف الدولار والشحن والتمويل وهوامش الوسطاء مرتفعة، فقد يكون الانخفاض في السعر النهائي أقل بكثير من قيمة الإعفاء.. وهنا تكمن الفجوة بين قرار يخفض تكلفة الاستيراد وسياسة تخفض سعر المنتج في السوق.

فرصة لإعادة تشكيل سوق الكهرباء

ومع ذلك، لا ينبغي التقليل من أهمية القرار.
فالسودان يمتلك مورداً شمسياً واسعاً، فيما أدى تضرر قطاع الكهرباء خلال الحرب إلى زيادة الاعتماد على الحلول الفردية.
وفي مايو 2026، دعا برنامج الأمم المتحدة الإنمائي إلى إجراءات عاجلة لدعم الطاقة الشمسية في السودان، بما فيها تبسيط الاستيراد والتمويل الميسر، مشيراً إلى أن الطاقة الشمسية يمكن أن تساعد الأسر والمزارع والمنشآت على الاستمرار في العمل في ظل ضعف الشبكة.
ومن هذه الزاوية، فإن إعفاء المنظومات للاستخدام الشخصي لا يمثل مجرد إجراء جمركي؛ بل يمكن أن يكون بداية لسياسة وطنية لتوسيع الطاقة اللامركزية.
لكن نجاح هذه السياسة يتوقف على ما سيأتي بعد القرار.

القرار يصب في مصلحة بنك الطاقة

قرار كامل إدريس يمثل خطوة مهمة وفي الاتجاه الصحيح، لكنه لا يبدو كافياً بمفرده لحل مشكلة غلاء الطاقة الشمسية في السودان.
ومن هنا تأتي أهمية قراءة القرار مقرونًا بمشروع بنك الطاقة الذي الذي أعلنته منظمة المهاجرين الإنسانية بالتعاون مع الشركة السودانية القابضة للكهرباء. فالمشروع يقوم على فكرة نظام القياس الصافي، حيث يركب الأفراد منظومات شمسية ويبيعون الفائض للشبكة القومية.
قرار الإعفاء، رغم اقتصاره على الاستخدام الشخصي، يصب في مصلحة هذا المشروع. فإذا توفرت منظومات أرخص للأفراد، زاد إقبالهم على تركيبها، وربما زادت مشاركتهم في “بنك الطاقة” مستقبلاً.

متى يؤثر الإعفاء؟

القرار يعالج الرسوم، لكنه لا يعالج بالضرورة سعر الصرف، وتكلفة التمويل، وتكاليف النقل، وهوامش الوسطاء، ولا ارتفاع التكلفة الأولية على المواطن. كما أن قصر الإعفاء على الاستعمال الشخصي يحد من تأثيره المباشر على السوق التجارية التي يعتمد عليها معظم المستهلكين.
لذلك فإن القرار الأكثر تأثيراً سيكون ضمن سياسة عامة تشتمل على حزمة متكاملة: إعفاء أو تخفيض الرسوم على الاستيراد التجاري المنظم، تسهيل إجراءات الاستيراد، توفير تمويل ميسر للمواطنين، تشجيع المنافسة ومنع الاحتكار، وضبط جودة المنتجات.
عندها فقط يمكن أن يتحول الإعفاء من قرار جمركي جيد إلى سياسة حقيقية لتوفير الكهرباء بأسعار يمكن للسودانيين تحملها.
فالمشكلة ليست فقط أن الطاقة الشمسية تدخل السودان برسوم مرتفعة؛ وإنما أن المواطن يحتاج إلى منظومة يستطيع شراءها وتمويلها وتشغيلها بأسعار معقولة. وهذا هو الاختبار الحقيقي لقرار الإعفاء.

إنضم الى احدى مجموعاتنا على الواتس

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى