عودة المُسيَّرات.. سلوك متكرر كلما ضاقت الأرض بالمليشيا

تقرير: الطابية
بعد هدوء نسبي دام فترة من الزمن، عادت مليشيا آل دقلو إلى استهداف المدن والمواقع العسكرية بالطائرات المسيرة الانقضاضية، في تصعيد جديد يعكس سلوك المليشيا المتكرر؛ كلما ضاقت بها الساحات الميدانية، انتقمت من المدن والمدنيين.. ففي يومين متتاليين، شهدت الخرطوم وأم درمان وعطبرة والأبيض موجة هجمات جديدة، تصدى لها الجيش السوداني بدفاعاته الجوية، لكنها خلفت قتلى في صفوف المدنيين.
الهجمات بلا هدف عسكري واضح
بدأت الموجة يوم الأربعاء، حين أطلقت مليشيا الدعم السريع سرباً من الطائرات المسيرة صوب مدن أم درمان وعطبرة والأبيض. وفي الأبيض، عاصمة ولاية شمال كردفان، سقط حطام إحدى الطائرات المسيرة على المدنيين، مما أسفر عن مقتل شخصين.
هذه الحادثة تلخص الطبيعة العشوائية لهجمات المليشيا.. مسيرات لا تفرق بين موقع عسكري وحي سكني، وحطامها يقتل كما تقتل رؤوسها المتفجرة.
وفي اليوم التالي، الخميس، واصلت المليشيا هجماتها لليوم الثاني على التوالي..فقد سُمع دوي انفجارات قوية ناجمة عن الاستخدام المكثف للدفاعات الجوية، وبحسب شهود عيان من غرب أم درمان، حلقت المسيرات على علو منخفض أكثر من خمس طائرات مسيرة انقضاضية قادمة من الاتجاه الغربي.
ونقل موقع “سودان تربيون” عن مصادر عسكرية أن الدفاعات الجوية التابعة للجيش تمكنت من إسقاط عدد من الطائرات المسيرة التي حاولت استهداف مواقع عسكرية في غرب وشمال أم درمان.
هذه التفاصيل تكشف أن المليشيا تحاول استهداف مواقع في العاصمة من اتجاهات متعددة، وأن الجيش في حالة استنفار دائم للتصدي لها.
لماذا هذا التوفيت؟
تأتي هذه الموجة بعد نحو أسبوعين من هزيمة المليشيا في مساحات واسعة من شمال كردفان، بما في ذلك مناطق على طريق الصادرات الذي يمثل أحد أهم خطوط الربط بين كردفان والخرطوم.
هذه الهزيمة الميدانية، التي قطعت شريان إمداد رئيسياً للمليشيا، دفعت بها إلى البحث عن وسيلة للانتقام من المدن التي لم تستطع الاحتفاظ بمواقعها حولها.
النمط متكرر ومكشوف.. كلما خسرت المليشيا أرضاً في مواجهة الجيش، عمدت إلى إطلاق مسيراتها باتجاه المدن الآمنة، في محاولة يائسة لإثبات أنها ما تزال قادرة على الإيذاء.. فتصعيد الهجمات الجوية يوفر للمليشيا وسيلة لتعويض جزء من فقدان المبادرة على الأرض.
وتسعى المليشيا أيضًا بواسطة هجمات المسيرات إلى تعطيل مرحلة ما بعد التقدم البري للجيش.. فكلما اتسعت المناطق التي يستعيدها الجيش، ازدادت حاجة قواته إلى تثبيت خطوط الإمداد وتأمين الطرق والمنشآت والمواقع العسكرية. وهنا تحاول المسيّرات خلق تهديد مستمر خلف خطوط المواجهة، وإجبار الجيش على توزيع موارده بين العمليات الهجومية والدفاع الجوي وحماية المنشآت.
لكن هذه الهجمات، رغم إزعاجها، لا تحقق أي هدف عسكري استراتيجي. فهي لا تستعيد أرضاً، ولا تكسر خطوط دفاع، بل تقتل المدنيين وتدمر الممتلكات، مما يزيد من عزلتها ويكشف طبيعتها الإرهابية.
دفاعات الجيش.. صمود رغم التحديات
تصدي الجيش السوداني لهذه الهجمات المستمرة بالمسيرات يطرح تساؤلات حول قدرة الدفاعات الجوية على التعامل مع هذا النوع من التهديدات. فالمسيرات الانقضاضية صغيرة الحجم، تحلق على علو منخفض، وتصعب ملاحقتها بالوسائل التقليدية. ورغم ذلك، تمكنت الدفاعات الجوية من إسقاط عدد منها في أكثر من مناسبة، وهو ما يشير إلى تطور ملحوظ في القدرات السودانية على مواجهة هذا التهديد.
ومن ثم، فإن تكرار الهجمات خلال يومين قد يشير أيضًا إلى محاولة اختبار قدرة الدفاعات الجوية للجيش السوداني وإغراقها بعدد كبير من المسيّرات، وليس بالضرورة إلى نجاح عسكري ميداني بحد ذاته.
ورغم هذا النجاح، لكن يبقى أن التحدي الأكبر في منع وصول المسيرات إلى المدن والأحياء السكنية ابتداءً، وحماية المنشآت الحيوية وخطوط الإمداد، مع مواصلة الضغط البري وعدم السماح بتحول الهجمات الجوية إلى وسيلة لتعطيل تقدمه.
وهذا يستدعي تعزيز أنظمة الإنذار المبكر، وتكثيف المراقبة الجوية، وتطوير وسائل تشويش قادرة على تحييد المسيرات قبل وصولها إلى أهدافها.
هجمات يائسة..والمدنيون هم الضحية!
هذه الهجمات العشوائية على المدن تمثل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي الإنساني، الذي يحظر استهداف المدنيين والأعيان المدنية. وهي تكشف أن مليشيا الدعم السريع لا تعترف بأي قواعد، ولا تميز بين عسكري ومدني، بل تتعامل مع كل المناطق الخارجة عن سيطرتها كأهداف مشروعة.
إن عودة موجة الهجمات هذه ليست علامة قوة، بل هي علامة يأس. إنها اعتراف ضمني من المليشيا بأنها عاجزة عن مواجهة الجيش في الميدان، فلجأت إلى الورقة الوحيدة المتبقية لها؛ إيذاء المدنيين.
لكن هذه الورقة، مهما طال أمدها، لن تصنع نصراً، ولن توقف زحف الجيش، ولن تعيد للمليشيا أرضاً أو شرعية. إنها فقط تؤكد ما يعرفه السودانيون جميعاً؛ أن هذه المليشيا لا تجيد إلا القتل والتدمير، وأن الخلاص منها هو الطريق الوحيد نحو السلام.


