أخبارأخبار االسودان

انهيار كاودا.. هل يفتح طريقاً جديداً لمعادلة الحرب والسلام في جنوب كردفان؟

تقرير: الطابية

لم تكن كاودا مجرد بلدة نائية في جبال النوبة، بل ظلت لعقود المعقل الأهم للحركة الشعبية-شمال جناح عبد العزيز الحلو، ومركز ثقلها العسكري والسياسي والإداري. ومن هذه المنطقة أدارت الحركة جانباً كبيراً من تمردها الطويل مع الحكومات السودانية المتعاقبة، ورسخت وجودها كقوة أمر واقع في أجزاء واسعة من جنوب كردفان.
لكن هذا المعقل التاريخي تعرض خلال الفترة الماضية لهزة غير مسبوقة، بعدما تمكن مقاتلو قبيلة الأطورو من السيطرة على أجزاء واسعة من كاودا ومناطق استراتيجية محيطة بها، فيما اضطر عبد العزيز الحلو وعدد من قيادات الحركة إلى الفرار من المنطقة والاتجاه إلى جنوب السودان.
ولا تبدو المسألة مجرد جولة قتال داخلية، إذ تطرح التطورات أسئلة أكبر حول مستقبل الحركة الشعبية-شمال، ومصير قيادة الحلو، ومستقبل تحالفها مع قوات الدعم السريع، والأهم: هل يؤدي هذا الانقسام إلى فتح مسار جديد للحرب والسلام في جنوب كردفان؟

كيف بدأت العاصفة

بدأت الأزمة في مايو الماضي على خلفية خلاف حول ترسيم حدود منطقة «ديبي» الغنية بالموارد الطبيعية، لكن جذور المواجهة أعمق من الخلاف الإداري المباشر.
فالأطورو، التي تمثل قاعدة مهمة داخل الحركة الشعبية، راكمت خلال السنوات الماضية شكاوى من تهميش قيادتها، ومن سيطرة عناصر موالية للحلو على أنشطة التعدين والتنقيب عن الذهب في مناطقها، دون أن ترى القبيلة نفسها شريكاً مستفيداً من موارد أرضها.
ومع رفض قيادات الأطورو نتائج ترسيم الحدود، ورفضهم المثول للتحقيق، تم تصنيفها لاحقاً باعتبارهم «مجموعة متمردة» لينتقل الخلاف من الاحتجاج السياسي إلى المواجهة المسلحة.
وخلال فترة قصيرة، تمكن مقاتلو الأطورو من السيطرة على أجزاء واسعة من كاودا، إلى جانب مناطق استراتيجية مثل جاوري وجبدي وإيرا وديبي، بما فيها مركز التدريب العسكري للحركة والمعهد القومي للتدريب والتأهيل السياسي في جبدي.
ومع اتساع القتال وتدمير مقار ومنازل قيادات في الحركة، اضطر عدد من المسؤولين إلى الفرار، بينما غادر الحلو نفسه إلى جنوب السودان.
وهنا تكمن أهمية التطور، فللمرة الأولى لا يأتي التحدي الأكبر لسيطرة الحلو على كاودا من الجيش السوداني أو من قوة خارجية، وإنما من داخل البيئة الاجتماعية والعسكرية التي شكلت قاعدة الحركة نفسها.

مطالب الأطورو.. الأزمة تتجاوز الخلاف الشخصي

حاولت قيادات في الحركة، بينها قائد أركان قواتها عزت كوكو، التوسط لإنهاء القتال، غير أن مقاتلي الأطورو تمسكوا بمطالب تتجاوز وقف إطلاق النار، أبرزها إبعاد الحلو عن القيادة، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، وتشكيل قيادة انتقالية جديدة.
وإذا استمرت هذه المطالب، فإن الأزمة لن تكون قابلة للحل بمجرد تسوية عسكرية مؤقتة، لأنها تمس جوهر القيادة داخل الحركة وطريقة إدارة مناطق سيطرتها ومواردها.
وهذا يعني أن كاودا قد تكون أمام إعادة تشكيل سياسي وعسكري لا مجرد تبدل مؤقت في السيطرة الميدانية.

هل بدأ تفكك الحركة الشعبية؟

أخطر ما تواجهه الحركة الحلو الآن ليس فقدان بعض المواقع، وإنما احتمال فقدان وحدة القيادة.
فالحلو يستطيع الاحتفاظ بولاء بعض القيادات والأجهزة، لكن فقدان السيطرة على كاودا يمثل ضربة مزدوجة عسكرية ورمزية، فالمعقل الذي ظل عنواناً لسلطته لعقود لم يعد تحت سيطرة قيادته بصورة كاملة.
وقد لا يأتي التغيير بالضرورة في صورة قرار تنظيمي يطيح بالحلو، وإنما عبر واقع جديد تتوزع فيه مراكز القوة بين قيادات ميدانية وقوى اجتماعية وقبلية تفرض حضورها على الأرض.
وفي المقابل، فإن سيطرة الأطورو عسكرياً لا تعني بالضرورة امتلاكها مشروعاً سياسياً متكاملاً. وهذا قد يخلق فراغاً في القيادة، ويجعل مستقبل المنطقة مفتوحاً على احتمالات متعددة، من إعادة توحيد الحركة بقيادة جديدة، إلى انقسامها إلى مراكز نفوذ متنافسة.

تحالف الحلو مع الدعم السريع.. نقطة التحول

يصعب فصل أزمة كاودا عن التحالف الذي أعلنه الحلو مع مليشيا الدعـ م السـ ريع في مارس 2025.
فالتحالف الذي نظر إليه الحلو باعتباره ترتيباُ استراتيجياً في مواجهة الحكومة، أثار تحفظات داخل قطاعات من النوبة، ولا سيما في أوساط مقاتلين وقواعد اجتماعية رأت أن التقارب مع المليشيا، يتجاهل الأسباب الأساسية لتمرد النوبة، وهو الصراع مع المكون العربي وقيام الدولة في الخرطوم، آنذاك، بتسليح العرب ضدهم.. كما رأوا أن هذا التحالف يحمل الحرب إلى مناطقهم ويضعهم في مواجهة مع قوى لا تتطابق بالضرورة مصالحها مع مصالح سكان جبال النوبة.
ومن هذه الزاوية، فإن ما يحدث في كاودا قد يتطور ليصبح أيضاً تمرداً على الخيارات السياسية التي اتخذتها قيادة الحركة، وليس فقط مجرد صراع على الحدود أو الموارد.
وهنا يبرز السؤال الأصعب؛ هل تستطيع قيادة الحلو، بعد فقدان معقلها الرئيسي، الحفاظ على تحالفها مع المليشيا؟ أم أن القيادات التي باتت تملك نفوذاً ميدانياً في كاودا ستسعى إلى إعادة تعريف علاقة الحركة بالحرب وبقية الأطراف السودانية؟

ماذا يعني ذلك للحكومة السودانية؟

من منظور الحكومة السودانية، يمثل الانقسام داخل الحركة الشعبية فرصة وتحدياً في الوقت نفسه. فالانهيار الجزئي لسيطرة الحلو يضعف أحد المكونات العسكرية التي ظلت تقاتل الدولة في جنوب كردفان، ويحد من قدرة الحركة على العمل ككتلة موحدة، خصوصاً إذا استمر الصراع الداخلي.
وقد تجد الحكومة فرصة لفتح قنوات اتصال مع القيادات الجديدة والقواعد المحلية في المناطق المتأثرة، خصوصاً إذا كانت مستعدة للابتعاد عن تحالف الحركة مع المليشيا والعودة إلى مسار سياسي تفاوضي.
لكن استثمار هذا الانقسام يحتاج إلى قدر كبير من الحذر. فالتعامل معه باعتباره مجرد فرصة لتوسيع نفوذ الدولة قد يؤدي إلى إعادة إنتاج الصراع في صورة جديدة، خاصة إذا تحول التنافس بين الأطورو وأنصار الحلو إلى صراع قبلي واسع.. الأفضل للحكومة أن تتعامل مع التحول باعتباره نافذة للسلام، لا مجرد فرصة عسكرية.

هل تفتح كاودا طريقاً جديداً للسلام؟

المفارقة أن الانقسام الذي قد يضعف الحركة الشعبية عسكرياً يمكن أن يفتح في الوقت ذاته فرصة سياسية لم تكن متاحة من قبل.
فإذا أدى تراجع الحلو إلى بروز قيادة جديدة أكثر ارتباطاً بالمجتمعات المحلية وأقل ارتباطاً بتحالفات الحرب والقوى الخارجية، فقد يصبح ممكناً إعادة طرح قضايا جبال النوبة بعيداً عن منطق التحالفات العسكرية الإقليمية.
لكن ذلك يتطلب معالجة جذور الأزمة؛ تقاسم الموارد، وإدارة الأراضي، والتنمية، والتمثيل المحلي، وضمانات الأمن، وليس الاكتفاء بتغيير الأشخاص في قمة القيادة.
فالسلام في جنوب كردفان لن يتحقق بمجرد خروج الحلو من كاودا، كما أن سقوط معقله لا يعني تلقائياً انتهاء الحركة الشعبية.

كاودا بعد الحلو.. نهاية مرحلة أم بداية أخرى؟

ما حدث في كاودا يمثل أكثر من انتكاسة عسكرية لعبد العزيز الحلو. إنه اختبار حقيقي للنموذج الذي حكمت به الحركة الشعبية – شمال مناطق نفوذها طوال سنوات.
فإذا تمكنت الأطورو من تثبيت سيطرتها وفرض قيادة انتقالية، فقد تدخل الحركة مرحلة إعادة تأسيس شاملة.. وإذا نجح الحلو في استعادة نفوذه أو إعادة تجميع قواته، فقد تتحول المواجهة إلى دورة جديدة من الاقتتال الداخلي.. أما الاحتمال الأخطر فهو تفكك الحركة إلى مراكز عسكرية متنافسة، بما يجعل جنوب كردفان ساحة لصراعات متعددة بدلاً من صراع ثنائي واضح.
وفي المقابل، يملك السودان فرصة نادرة لتحويل هذا التحول العسكري إلى مسار سياسي جديد، عبر مخاطبة المجتمعات المحلية مباشرة، وفتح باب التفاوض مع القوى التي ترفض استمرار الحرب، وربط أي تسوية بضمانات حقيقية للتنمية وتقاسم الموارد والتمثيل السياسي.
فانهيار كاودا قد يكون نهاية حقبة الحلو، لكنه لا ينبغي أن يكون بداية حرب جديدة في جبال النوبة.
والاختبار الحقيقي الآن ليس لمن يسيطر على كاودا، وإنما لمن يستطيع تحويل سقوط المعقل العسكري إلى بداية لمعالجة الأسباب التي أبقت جنوب كردفان في دائرة الحرب لعقود.

إنضم الى احدى مجموعاتنا على الواتس

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى