“صمود” في تل أبيب..تقارير عن زيارة سرية حركت الانقسامات داخلية

تقرير: الطابية
أثارت تقارير إعلامية تحدثت عن زيارة سرية لعدد من قيادات تحالف “صمود” إلى إسرائيل، برعاية إماراتية، موجة واسعة من الجدل السياسي في الأوساط السياسية السودانية.
ورغم غياب تأكيد رسمي، إلَّا أن تقارير استخباراتية وأمنية متطابقة خرجت من أربع عواصم هي أبوظبي وتل أبيب والقاهرة وواشنطن، لتؤكد ما كان كثيرون يشتبهون به: قيادات من تحالف “صمود” السوداني المعارض أجرت زيارة سرية إلى إسرائيل، برعاية وتمويل إماراتي.
الزيارة، التي لم يصدر حتى الآن أي نفي رسمي بشأنها من الشخصيات الواردة أسماؤها، تفتح باباً واسعاً من الأسئلة حول الأجندات الخفية، والأبعاد الأخلاقية، والعلاقات القديمة الجديدة بين تيارات المعارضة السودانية والدولة العبرية.
حقيقة الزيارة.. الأدلة والمصادر
كشفت مصادر متعددة أن زيارة وصفت بالسرية أجراها عدد من قيادات تحالف “صمود” إلى إسرائيل خلال الأسابيع الماضية. ووفقاً لما أورده موقع “سودانيز إيكو”، ضم الوفد بشكل مؤكد خالد عمر يوسف، المعروف بـ”خالد سلك”، نائب رئيس حزب المؤتمر السوداني. كما ورد اسما بابكر فيصل، رئيس اللجنة التنفيذية للتجمع الاتحادي، وطه عثمان إسحاق، وإن كانت المصادر لم تتمكن من التحقق بصورة قاطعة من مشاركتهما.
اللافت أن أربعة مصادر استخباراتية منفصلة ومتطابقة – من أبوظبي وتل أبيب والقاهرة وواشنطن – تحدثت عن هذه الزيارة. هذا التطابق بين أجهزة استخبارات دول مختلفة يمنح الخبر مصداقية عالية، ويجعل التكتم والصمت من قبل المعنيين أكثر إثارة للريبة. فلو كانت الزيارة غير صحيحة، لسارع قادة “صمود” إلى نفيها بشكل قاطع، وهو ما لم يحدث.
الأجندات الخفية.. ماذا طلب “صمود” من تل أبيب؟
تكشف المصادر عن ثلاثة أهداف رئيسية للزيارة:
1. الترويج لرواية ابتلاع “الإخوان المسلمين” للدولة السودانية، وقد سعى وفد “صمود” إلى تقديم الحكومة السودانية والقوات المسلحة باعتبارهما “امتداداً لجماعة الإخوان المسلمين”.
هذه الرواية، التي تروج لها مليشيا الدعم السريع وداعموها الإقليميون منذ بداية الحرب، تجد آذاناً صاغية في إسرائيل التي تعتبر الإخوان عدواً استراتيجياً. الهدف هو شيطنة الحكومة الشرعية، وتصوير الحرب على أنها مواجهة بين “إسلاميين” و”مدنيين”، وليس بين دولة شرعية ومليشيا متمردة.
2. طرح “صمود” كبديل مدني جاهز لتولي السلطة”. هذا يعني أن ثمة سيناريو يُعمل عليه إقليمياً، يقوم على إسقاط الحكومة الحالية بالقوة أو بالضغط، وتنصيب حكومة من المعارضة المدنية المرتبطة بأبوظبي وتل أبيب. إنها محاولة لإضفاء شرعية سياسية على انقلاب مدعوم خارجياً.
3. تنسيق الجهود الإقليمية ضد الحكومة السودانية وحشد دعم سياسي ضدها، وفق ما أكدته المصادر. فالإمارات وإسرائيل، اللتان ترتبطان بعلاقات وثيقة منذ اتفاقات أبراهام، تنسقان جهودهما لدعم المعارضة السودانية، وتقديمها كطرف شرعي في أي تسوية مستقبلية. “صمود” لم يعد مجرد تحالف سياسي معارض، بل تحول إلى أداة في لعبة إقليمية معقدة.
ويضيف التحليل إلى ذلك هدفًا رابعًا هو:
4. الاستقواء بالخارج ضد الداخل: فمنذ اندلاع الحرب، ظلت المعارضة السودانية في الخارج تلعب لعبة مزدوجة: تنتقد التدخلات الخارجية حين يتعلق الأمر بدعم الحكومة الشرعية، وتلجأ لنفس التدخلات حين يتعلق الأمر بدعم أجندتها. زيارة إسرائيل بدعم إماراتي هي تتويج لهذا النهج: استعداء الخارج ضد الداخل، والبحث عن شرعية دولية بديلة عن الشرعية الشعبية المفقودة.
خلافات داخل “صمود”.. ومحاولة لإقصاء حمدوك
لم تكن زيارة إسرائيل مجرد حدث خارجي، بل فجرت توترات داخلية هائلة في تحالف “صمود” تكشف هشاشته وعمق انقساماته.
بحسب المصادر التي أوردت الخبر، فجرت الأنباء المتعلقة بالزيارة خلافات حادة بين عبد الله حمدوك وبابكر فيصل. وتصاعدت التوترات على خلفية تبادل الاتهامات حول إقرار الزيارة وإخفائها عن بعض مؤسسات التحالف. فهل تمت الزيارة بعلم حمدوك؟ أم أنها تمت بتدبير من بابكر فيصل دون تنسيق؟ الأسئلة المعلقة تكشف أن “صمود” ليس كياناً موحداً، بل ساحة صراع على النفوذ والتمويل.
كشفت مصادر مطلعة داخل “صمود” عن ترتيبات لاختيار بابكر فيصل رئيساً للتحالف خلفاً لحمدوك. وبحسب المصادر، فإن حمدوك لم يعد “من وجهة نظر أطراف داخل التحالف الشخصية القادرة على طرح حلول سياسية فاعلة”، إلى جانب ما وصف بتردده في اتخاذ قرارات مفصلية. كما أثار تمسكه بتسمية بكري الجاك ناطقاً رسمياً، رغم وجود قيادات بارزة مثل خالد عمر يوسف ومحمد الفكي سليمان وياسر عرمان، تحفظات داخلية واسعة.
تشير المصادر إلى أن الخلافات بين حمدوك وياسر عرمان دفعت الأخير إلى الابتعاد تدريجياً عن أنشطة “صمود”. والأخطر، أن حمدوك اتهم بـ”الوشاية للإماراتيين لوقف الدعم عن حزب ياسر عرمان”، في إشارة إلى أن الصراع الداخلي تجاوز حدود التحالف ليشمل استخدام النفوذ الإقليمي لتصفية الخصوم.
اجتماعات مع المليشيا:
كشفت المصادر أيضاً عن اجتماعات يجريها حمدوك مع قادة في مليشيا الدعـ م السـ ريع، في إطار ما قيل إنه تمهيد لإعلان تحالف سياسي بين “صمود” و”تأسيس”، بدلاً من استمرار التنسيق بصورة غير معلنة. هذا التحالف، إذا أُعلن رسمياً، سيكون تتويجاً لمسار بدأته قوى المعارضة المدنية منذ اندلاع الحرب: التحالف المباشر مع المليشيا، بعد أن كان التنسيق غير مباشر عبر الوسيط الإماراتي.
شهادة وفاة سياسية
زيارة “صمود” لإسرائيل، إذا ثبتت، لن تكون مجرد خطوة سياسية خاطئة، بل هي شهادة وفاة سياسية وأخلاقية لتحالف راهن على الخارج ضد شعبه، وعلى التطبيع ضد السيادة، وعلى المليشيا ضد الدولة.
في زمن الحرب، تتكشف المعادن. و”صمود” الذي لم يصمد أمام إغراء السلطة والتمويل الإماراتي، ولم يصمد أمام فتنة التحالف مع قوة محتلة، يكشف اليوم عن حقيقة مرة: أن بعض النخب السياسية السودانية مستعدة لبيع كل شيء – المبادئ، الوطن، وحتى الكرامة – من أجل مقعد في حكومة يُشكلها ويديرها داعمو المليشيا وصانعوا الحرب من خلف الستار.


