القنصل العام لمصر بالسودان، أحمد يوسف: مناهجنا التعليمية علمتنا حب السودان ومواقفه التاريخية

كانت الساعة الثانية ظهرا، الشمس حارقة والأجواء حارة للغاية، عندما دخلنا مقر القنصلية المصرية في بورتسودان لإجراء حوار مع القنصل العام بجمهورية مصر بالسودان، الأستاذ أحمد يوسف.. دفء الاستقبال ومشاعر المودة التي قابلتنا بدء من موظفي القنصلية في الطابق الأرضي وحتى مكتب القنصل، لطفت الجو وأعادت طقس بورتسودان إلى شهور الشتاء القارص.
القنصل قابلنا بأريحية وبدون تكلف وببشاشة كعادة المصريين.
تنوع حوارنا مع القنصل المصري حول دور القنصلية في تعزيز علاقة البلدين في الملفات الثقافية والتجارية والاجتماعية، تحدثنا عن مشروع “السودان حضارة” وملف التأشيرة وقضايا أخرى عديدة.
وهذا ما قاله
حوار: الطيب إبراهيم
* بعد عام ونصف في السودان، ما بين الانطباعات الأولى قبل وصولك لبورتسودان والآن، ما الذي تغير؟
السودان ليس غريبا على مصر، فهو معروف وشعبه معروف للشعب المصري بحكم الجيرة والقواسم المشتركة بين الشعبين، ولذلك أي انطباع رسمته لم يتغير مطلقا،، كان لدي انطباع قبل مجئ للسودان، أن السودانيين شعب مثقف ومفوه وعندما عاشرتهم وجدتهم فعلا كذلك، فالسودانيين شعب مفوه وكريم، هذا كان انطباعي وهذا ما وجدته فعلا، والحقيقة إنني لم أشعر بغربة أبدا، وذلك بسبب عدم وجود اختلاف كبير بين الشعبين المصري والسوداني، وبسبب الحفاوة الكبيرة التي وجدتها من الشعب السوداني، فهو شعب طيب وكريم وهذه حقيقة لا أنكرها ولا يستطيع أحد نكرانها.
من الانطباعات التي توقعتها ووجدتها أيضا، أن السودانيين شعب مثقف ولاحظت أن حتى غير المتعلمين تعليم عالي بمقدورهم ارتجال حتى الشعر، وهم يحفظونه بشكل مذهل، يجعل كل من يتحدث مع سوداني أمام امتحان حقيقي في مجاراته في الحديث.
* ما هو دور القنصلية في تعزيز القواسم المشتركة بين البلدين؟
نطاق عملي ينحصر في أربعة ولايات هى “البحر الأحمر، كسلا، القضارف ونهر النيل” ، ودور القنصلية هو تعزيز العلاقات بين البلدين، لكن في حالة مصر والسودان هنا، فالقنصلية ليست وحدها، بمعنى أن مصر بالنسبة للسودانيين معروفة وبعضهم لديه تجارة هناك وبيوت وأسر والبعض تربطهم علاقات أرحام، ” قد تجد شخص سوداني وابن عمه مصري”، هذه الوضعية تضع القنصلية في تحدي حقيقي، لأن عملها أصبح يقوم به الشعبين في البلدين، وهذا أضاف لنا عبء إضافي جعلنا نفكر في مسارات أخرى من خلال العمل على الروابط المشتركة بين البلدين وهى كثيرة جدا، ومن هنا جاءت فكرة الاحتفاء بأغنية ” أغدا القاك” التي تجمع الشاعر الهادي آدم بكوكب الشرق أم كلثوم، بهدف إبراز التعاون بين البلدين من خلال إنتاج عمل ثقافي محبب لكلا البلدين، وتحديدا أغنية ” أغدا ألقاك” هذه من الأغاني المحببة لدي، وصادفت مرور الذكرى 55 وأنا في السودان فشجعني ذلك لإقامة الاحتفالية وهى ضمن مشروع “السودان حضارة” ويهدف هذا المشروع إلى إظهار الجوانب الثقافية والحضارية بالسودان.
ومما يجدر قوله هنا، هو أنه قد لا تكون هناك معرفة كافية بالجوانب الحضارية والثقافية في السودان، وأنا نفسي عندما جئت في سبتمبر 2024 شعرت بالانبهار بكم الحضارة في السودان،، لمست أشياء مختلفة لكنها جذابة وتبهر كل وافد جديد للسودان، على سبيل المثال “البرش” في رمضان في السودان، رغم أنه في مصر لدينا حالة مشابهة وهى مائدة رمضان، لكن تشعر أن “البرش” في السودان جذاب ولديه ملمح مختلف وملفت للنظر، خصوصا وهو مكرر في كل شارع وهذا في حد ذاته ملفت للنظر.
هنا دورنا كقنصلية، وهذا إجابة على سؤالك، توطيد العلاقة بين البلدين، من خلال تمتين العلاقات مع المجتمعات المحلية، القبائل، المؤسسات الولائية والثقافية وعلى مستوى رجال الأعمال، المسرح والفنانين والعمد والنظار، ودورنا تمتين العلاقات مع كافة هذه الجهات الرسمية والشعبية.
ضمن دور القنصلية أيضا، قمت بزيارة أماكن عديدة، على سبيل المثال “أركويت، سنكات، طوكر، محمد قول، سواكن” بهدف توطيد علاقة بلادي بالمواطنين السودانيين الموجودين في هذه المناطق.
من الأدوار كذلك، تسهيل العلاقات التجارية بين البلدين، من خلال ربط رجال الأعمال السودانيين الراغبين في الاستثمار أو التجارة بمصر بمؤسسات الدولة الرسمية.
في الجانب الثقافي، يأتي دورنا في زيارة المؤسسات الثقافية أو المشاركة في المناسبات الثقافية التي تتم دعوتنا لها، ولدينا مشروع “السودان حضارة” كما أشرت سابقا، وهدفنا منه إبراز حضارة السودان المتنوعة، في “كوش، سنار، مروي، شندي ودارفور” ودورنا إظهار هذه الثقافة من خلال الأحداث الثقافية المختلفة، حدث عن الطرق الصوفية، الثوب السوداني، حضارة سواكن، إهرامات البجراوية، ونخطط لعمل حدث ثقافي أيضا عن أحد علماء اللغة العربية بالسودان بالتعاون مع مثقفين سودانيين وهذه أحداث ثقافية نتطلع للقيام بها خلال الشهور المقبلة بإذن الله.
* ما دوركم في الجزء الخاص بالتأشيرات؟
نحاول بقدر الإمكان، منح التأشيرات للمرضى والطلاب وكل من يرغب في زيارة مصر بشكل عام، ونعلم أن هناك سودانيين لديهم أقارب في مصر يتطلعون لزيارتهم،
لكن أرجو تفهم الضغط نتيجة كثرة الطلاب المقدمة إلينا.
* هل توقفت القنصلية على احتفالية “أم كلثوم _ الهادي آدم” أم هناك مبادرات أخرى في الطريق؟
كما قلت لك، لن نتوقف عند أم كلثوم والهادي آدم، لدينا أحداث كثيرة وشخصيات أكثر، على سبيل المثال، الروائي الراحل الطيب صالح، هل كنتم تعلمون أنه أخرج عمل درامي في الإذاعة المصرية بعنوان “عائشة عبد الرحمن”؟؟.
إذا بحثت في حجم التعاون الثقافي بين مصر والسودان ستجده أشبه بالبحر كلما أخذت منه لن ينقص، وبدأنا بالإحتفاء بتعاون أم كلثوم والهادي آدم، لأن عند التفكير في الأمر صادف ذلك كما قلت لك، الذكرى 55 لظهور هذه الأغنية، وأنا استغليت هذه الذكرى لإلقاء الضوء على هذا التعاون، وأقمناها في فبراير الماضي وهو شهر ميلاد أم كلثوم، وعادة لإقامة مثل هذه المناسبات يلزم أن يكون هناك سبب حتى تعم الفائدة.
قبل شهور الجامعة الأمريكية في القاهرة احتفلت بالفنان محمد وردي، وهو نموذج آخر للتعاون بين البلدين من خلال العلاقة بينه وبين الفنان محمد منير، فدائما عندما نقيم مناسبة نحرص على القاء الضوء على التبادل الثقافي بين البلدين.
* ما دور القنصلية في التبادل التجاري بين البلدين؟
بالحديث عن التبادل التجاري بين مصر والسودان، نجد أن حجم الصادرات والواردات السودانية بين مصر والسودان كبيرة بالنسبة لحجم التبادل التجاري السوداني في بقية الدول، لكن للأسف حجم التبادل التجاري بين مصر والسودان مقارنة بحجم التبادل التجاري بين مصر والعالم قليل جدا، وهذا يعني أن الفرصة لا تزال قائمة لزيادة حجم التبادل التجاري سواء أن مصر تستورد من السودان أو تصدر له، وهذا يعتمد على رغبة التجار بين البلدين، لكن الفرصة كبيرة ومتوفرة، فمصر لديها إنتاج صناعي والسودان لديه إنتاج زراعي وحيواني كبير، فبدلا عن لجوء مصر للاستيراد من دول بعيدة يمكنها أن تستورد من السودان، ويستفيد البلدين معا، وسنعمل على ذلك في الفترة المقبل بإذن الله.
* هل تقوم القنصلية بأي دور تعريفي لرجال الأعمال المصريين عن فرص الإستثمار في السودان؟
البلدين يعرفان بعضهما جيدا، هناك شراكات قائمة بين رجال الأعمال في البلدين، وهذه الشراكات كثيرة جدا لدرجة إنني لم أتخيل ذلك.
التاجر السوداني عندما يسافر إلى مصر يكون لديه علم مسبق، ماذا يريد أن يشتري أو يبيع ولديه مقدرة للوصول للمستورد المصري، وبخلاف ذلك هناك شركات سودانية تصدر إلى مصر وبعضها لديه مخازن هناك حتى تكون قرب البحر الأبيض لتقوم بالتصدير إلى الخارج، وهذا كله يؤكد لك أمرا مهما وهو أن التداخل الشعبي بين البلدين متجاوز الأطر الرسمية، حيث انحصر دور القنصلية في تقديم التسهيلات، حال جاء تاجر ونقوم بايصاله للمسجل التجاري.
* هل يجري أي تنسيق معكم فيما يتعلق بالمنح السنوية التي يقدمها الأزهر الشريف للطلاب السودانيين؟
التنسيق يتم بين السفارة والسلطات الاتحادية، وهذه المنح لا تزال موجودة ووصلت إلى 200 منحة، وتتم عبر وزارة التعليم العالي السودانية، هى من تختار المرشحين لهذه المنح ودورنا تنسيقي وتسهيلي فقط.
* ما تعليقكم على خطوة قيام صحفيين مصريين وسودانيين بتأسيس تكتل لخدمة أهداف البلدين، وأتحدث هنا تحديدا عن شبكة الصحفيين المصريين والسودانيين “شمس”؟؟
الخطوة مرحب بها جدا، والسيد السفير المصري بالسودان هاني صلاح هو من رتب لقاء شبكة الصحفيين الأخير في القاهرة وهو مهتم بهذه الشبكة جدا وأعلن دعمه لها، ومن جانبنا نرحب بها وسندعمها، وفي رأي أنها خطوة واعية من صحفيي البلدين وتقارب جميل ومفيد ليس في دحض الشائعات فحسب وإنما في إبراز الحقائق وتعزيز التعاون المشترك ونتطلع أن نرى أجسام شبيهة في المجالات الأخرى تربط البلدين معا.
وأود هنا أن أقول شيئا، وهو أن العلاقة بين السودان ومصر، علاقة متجزرة وقديمة قدم التاريخ، فالسودان موجود في مناهجنا الدراسية، ونحن نحب السودان وفي مصر يعلموننا كيف نحب السودان، في الكتب المدرسية يخبرونا أن السودان آزر ووقف مع مصر في حرب أكتوبر وفتح الكلية الحربية في أم درمان للجيش المصري.
* رسالة أخيرة توجهها للشعب السوداني
بعد عام ونصف، أستطيع القول أن السودان بلد جميل وعظيم، وعلى السودانيين أن يتحدوا ويحافظوا على بلدهم، عندها يمكنكم النهوض بالبلد، فالسودان قادر على النهوض بنفسه، لديه إمكانيات كبيرة، بحر ونيل وزراعة ومياه عذبة وطبيعة خلابة في كردفان ودارفور وثروات متنوعة في باطن الأرض، بترول وغابات، تنوع بشري وثروة بشرية، وهى كلها عوامل النهوض.
أقول بصدق أن السودان سيظل في قلبي وذهني وأتمنى له الازدهار ، لدي حب خاص للشعب السوداني وارتبطت بولاية البحر الأحمر وقبائلها بشكل خاص، وقطعا سأذهب من السودان بذكريات جميلة ومشاعر طيبة.
إنضم الى احدى مجموعاتنا على الواتس



