
تقرير: الطابية
شهدت مدينة دنقلا بالولاية الشمالية، خلال الأيام الماضية، توتراً أمنياً حاداً نتيجة تمرد كتيبة الاستطلاع المحلية المعروفة باسم “أولاد قمري”، بعد رفض قائدها حسين يحيى قمري تنفيذ أوامر صدرت له من القيادة العسكرية بالولاية، بالانضمام إلى اللواء 75 مشاة.
وأولاد قمري هي مجموعة محلية تبعت إلى القوات المسلحة بعد اندلاع الحرب، وأُطلق عليها اسم كتيبة الاستطلاع.
وتدخلت القوات المسلحة بسرعة لحسم الأزمة، في عملية أسفرت عن سقوط قتيل وإصابة القائد، بالإضافة إلى السيطرة على معسكر القوة المتمردة، ومصادرة أسلحة ومركبات تابعة لها.
تفاصيل الأزمة الأخيرة
أصدرت لجنة أمن الولاية الشمالية بياناً رسمياً، أشارت فيه إلى أن قائد كتيبة أولاد قمري رفض تنفيذ الأوامر العسكرية وأعلن استعداده لاستخدام القوة ضد أي جهة تقترب من عناصره.
وأكدت اللجنة أنها أصدرت قراراً يقضي بأن تكون كل القوات المستنفرة من أبناء الولاية تحت أمرة القوات المسلحة وتعمل في إسنادها وفقاً لضوابطها، وأن قطاع دنقلا العملياتي أصدر توجيهات لكتيبة الاستطلاع “أولاد قمري” بالانخراط في العمل ضمن اللواء 75 مشاة دنقلا، لكن قائدها التوم قمري رفض الانصياع لهذه التوجيهات.
وأوضحت أن قمري أظهر عصياناً واضحاً، حيث ارتدى رتبة عسكرية “مقدم”، وأعلن تحديه باستخدام القوة ضد أي محاولة للاقتراب منه، رغم أن أفراد الكتيبة يحملون نمراً عسكرية تجعلهم خاضعين لقانون القوات المسلحة.
وردت القوات المسلحة على هذا التحدي وفق مقتضيات الأمن والانضباط العسكري، ما أدى إلى اشتباك محدود أسفر عن مقتل أحد الحرس المرافق للقائد وإصابة الأخير بجروح مباشرة. وتم نقل التوم قمري إلى مركز طبي تحت حراسة مشددة.
وأوضحت اللجنة الأمنية أن السلطات لن تتسامح مع أي مظاهر للفوضى أو العصيان، مؤكدة أن الحفاظ على هيبة الدولة وسلامة المواطنين يشكل أولوية قصوى. كما دعت من تبقى من عناصر الكتيبة إلى تسليم الأسلحة والمركبات خلال مهلة محددة، في إشارة إلى أن العملية لم تغلق الباب تماماً أمام بقايا قد تكون متوارية.
الخلفية التاريخية لكتيبة أولاد قمري
تأسست كتيبة أولاد قمري قبل عدة سنوات، وهي ترتبط بعائلة قمري من قبيلة عرب المحس شمال دنقلا. وظهرت في البداية كمجموعة محلية صغيرة تعمل في مهام مراقبة حدودية وبعض الأنشطة الاقتصادية، إلا أن نشاطها توسع لاحقاً ليشمل ما وصفته المصادر المحلية بأنه “أنشطة مشبوهة” تشمل التهريب والتنقيب عن الذهب.
وتعتبر منطقة “البان جديد”، شمال دنقلا، معقلاً لمجموعة أولاد قمري، ويشير المحللون إلى أن الجيش السوداني، في فترات سابقة، عقب اندلاع الحرب، احتوى الكتيبة جزئياً ومنحها صفة كتيبة استطلاع متقدمة، نتيجة خبرتها المحلية في الصحراء وفي تنفيذ المهام الأمنية الحدودية، بما في ذلك مراقبة طرق الصحراء بين السودان وليبيا. هذه العلاقة التكتيكية سمحت للكتيبة بالتوسع قبل أن تتحول إلى تهديد واضح للسلطة المركزية، كما ظهر في تمردها الأخير.
الأنشطة المشبوهة والتجاوزات
تتحدث تقارير محلية عن تجاوزات وأنشطة غير قانونية مارستها كتيبة أولاد قمري، من بينها،
– تهريب المخدرات والأسلحة عبر الصحراء، يتهم أبناء قمري بالتورط في إدخال الحبوب المخدرة إلى دنقلا والتجارة بها. كما تواجه المجموعة اتهامات بارتكاب حوادث نهب للمواطنين في قرى المحس، حيث تم تسجيل عدد من البلاغات الجنائية ضدهم.
بجانب التنقيب الأهلي العشوائي عن الذهب في مناطق مثل “المثلث الحدودي”، مع سجلات عن صدامات مع عمال مناجم محليين، حيث وردت أخبار بأنها هاجمت، في مايو الماضي، عمال مناجم في منطقة تركمان قرب وادي حلفا واحتجزتهم مؤقتًا، على خلفية نزاع على موقع تعدين غني بالمعدن.
فضلا عن تجاوزها القانون المحلي، وعدم احترام مؤسساته، استناداً إلى القوة العسكرية، ما منح عناصرها حماية جزئية وقدرة على الإفلات من المحاسبة، وهناك اتهامات بأن أولاد قمري استخدموا سلاحهم لرفض تسليم أشخاص متهمين بجريمة، وأن النيابة في عبري ودنقلا لم تتمكن من اعتقال بعضهم بسبب قدراتهم المسلحة.
كما تتهم باحتكار النفوذ العسكري والاقتصادي في مناطقهم، ما أثار استياء السكان المحليين والهيئات المدنية.
الشكاوى والاعتراضات المحلية
أبدى مواطنون وهيئات قبلية في دنقلا وعموم الولاية الشمالية قلقهم من نفوذ الكتيبة وتجاوزاتها، معتبرين أنها تمثل تهديداً للأمن والاستقرار المحلي. واشتكت بعض المصادر من صعوبات تواجهها النيابة في محاسبة أفراد الكتيبة بسبب قدراتهم المسلحة، وهو ما يعكس النفوذ القوي للمجموعة على الأرض.
ردود الفعل الرسمية
على مستوى الحكومة الولائية؛ أكدت لجنة أمن ولاية الشمالية في بيانها أن أي مظاهر للفوضى أو العصيان لن تمر دون محاسبة، وشددت على أن الحفاظ على هيبة الدولة وسلامة المواطنين أولوية قصوى.
وعلى مستوى القوات المسلحة والحكومة الاتحادية؛ أشارت قيادة الجيش إلى أن العملية العسكرية ضد الكتيبة تمثل “رسالة واضحة” بعدم التسامح مع أي تشكيل مسلح خارج القانون، مؤكدة استعادة السيطرة على معسكرات الكتيبة ومصادرة أسلحتها ومركباتها.
حسم التمرد وهل انتهى التهديد؟
أكدت المصادر الرسمية، أن القوات المسلحة تمكنت من حسم التمرد بشكل كبير، لكن ذلك لا يمنع أن تكون بعض العناصر ما زالت متوارية، في الوقت الذي يتواصل فيه الضغط لتسليم الأسلحة المتبقية.
المحللون يشيرون إلى أن الرسالة الأساسية هي تعزيز سيادة الدولة وفرض النظام على أي تشكيلات مسلحة محلية لا تخضع لقيادة القوات المسلحة، لكنها تطرح تساؤلات حول إمكانية الدمج أو التفكيك النهائي لهذه التشكيلات لمنع تكرار مثل هذه الأزمة في المستقبل.
تمثل أزمة كتيبة أولاد قمري نموذجاً لما يمكن أن تسببه التشكيلات المسلحة المحلية غير المنضبطة، من تهديد للأمن إذا لم تُدمج ضمن هيكل قانوني لضمان استقرار الولاية وحماية المدنيين.. وتظهر تجربة الجيش السوداني مع الكتيبة أن الاحتواء الجزئي قد يوفر فائدة تكتيكية مؤقتة، لكنه يحمل مخاطر طويلة الأمد إذا لم يُرافقه مراقبة صارمة وسياسات دمج واضحة.
إنضم الى احدى مجموعاتنا على الواتس

