*الموقف المصري من حرب السودان .. وضوح مفاجئ وحراك مربك للمليشيا وداعميها*
*أحمد غباشي*

تَسارعُ الأحداث على صعيد الحرب في السودان، كان جديراً بحسم كثير من المواقف الرمادية التي كان تتخذها بعض الدول، وتدفع للإعلان بوضوح عن المواقف التي كانت، على أقل تقدير، تتكاسل عن الإفصاح عن نفسها للعلن.
وبالنسبة للجارة الشمالية، مصر، فعلى الرغم من الارتباط الوثيق بين استقرار الوضع في السودان، والأمن القومي المصري، إلا أن التفاعل المعلن من قبل مصر مع الأحداث الجارية في السودان كان يبدو للناظر تفاعلاً كسولاً، خاصة في جانبه السياسي، أوعلى الأقل غير متناسب مع حجم المخاطر التي تمثلها حرب السودان على أمن مصر القومي.. ولكن الآونة الأخيرة حملت منحنىً واضحاً في الموقف المصري فيما يعلق بملف الحرب في السودان، حيث أعلنت مصر بوضوح تام أن موقفها من الوضع في السودان هو “دعم المؤسسات الوطنية وعلى رأسها الجيش” مما يعني أنها تتبنى موقفاً ضد التمرد على الدولة.. وهذا الموقف جاء في سياق تحركات رسمية للقيادة المصرية.. فقد نقلت صحيفة العربي الجديد أن مصادر مصرية كشفت لها أن القاهرة “تكثف دعمها للسودان في الجوانب الإنسانية والدبلوماسية، وتدعم موقف المؤسسة العسكرية على المستويين الدولي والإقليمي”..وأن القاهرة شدّدت، خلال اتصالات مع الإدارة الأمريكية مؤخراً، على موقف مصر الرافض لوجود قوات الدعم السريع في المشهد” وأن هذا الموقف نفسه تم التأكيد عليه خلال زيارة وزير الخارجية الأمريكية أنتوني بلينكن للقاهرة الشهر الماضي، حيث جرى التأكيد على أن “مصر لا يمكن أن تقبل الجمع بين متمردين ومليشيات إلى جانب المؤسسات الرسمية في جملة واحدة”.
وقادت مصر حراكاً قوياً داخل الاتحاد الإفريقي كانت نتيجته، الخطوات القوية التي قامت بها مجلس السلم والأمن الإفريقي، الذي تقوده مصر، وأسفر عن زيارة وفد من المجلس للعاصمة الإدارية السودانية الجديدة بورتسودان، وعقده لقاءات مع المسؤولين السودانيين، ثم إعلانه عن موقفه من القضية السودانية من خلال البيان الذي أصدره، الاثنين الماضي، بهذا الشأن، ملخصاً فيه رؤيته لوضع الأزمة السودانية في مسارها الصحيح، التي تقوم على أساس “الحفاظ على مؤسسات الدولة الوطنية بالسودان، والمطالبة بتنفيذ التزامات اتفاق جدة الموقع في 11 مايو 2023م المتضمنة خروج المليشيات من منازل المواطنين والأعيان المدنية، كما طالب مليشيا الدعم السريع بإنهاء حصارها المفروض على مدينة الفاشر بولاية شمال دارفور، وهي نداءات مطابقة تماماً للموقف السوداني، ويتضح التأثير المصري فيها بجلاء.. هذا بجانب مسعى مجلس السلم والأمن الإفريقي لوضع خارطة لإعادة السودان إلى منظمة الاتحاد الإفريقي وإعادة عضويته المجمدة منذ 25 أكتوبر 2021م.
كما دفعت مصر بقوة من أجل منع أية إجراءات من شأنها أن تزيد تعقيد الوضع الأمني في السودان، من قبيل المساعي التي يقودها المبعوث الأمريكي الخاص توم بيريللو للدفع بقوات إفريقية للسودان تحت ذريعة حماية المدنيين وإيصال الإغاثات للمتضررين من الحرب، وقادت مجلس السلم والأمن الإفريقي لتبني هذا الموقف الرافض للتدخل العسكري، وهو أمر سيعرقل مساعي توم بيريللو التي يعمل عليها خلال جولته الإفريقية التي بدأها بنيروبي.
ولم تكتف مصر، بل عملت لتكثيف موقف إقليمي بين الدول الإفريقية، حيث أدرجت الموقف من الأزمة السودانية، في البيان الصادر عن القمة الثلاثية التي جمعت رؤساء كل من مصر وإريتريا والصومال، وجميع هذه الدول مساندة للموقف السوداني، حيث أعلنوا في بيانهم الختامي عن موقف متطابق حيال الأزمة السودانية”.
وفي الاتجاه المقابل فإن الموقف المصري تجاه القضية السودانية، وما صاحبه من حراك، كان مزعجاً جداً بالنسبة للمليشيا المتمردة والدول الحليفة لها، ويشهد لذلك انزعاج أبو ظبي إلى الدرجة التي قادتها للقيام بعدة محاولات لإقناع القاهرة بتعديل موقفها من قوات الدعم السريع، وتخفيض لهجتها الرافضة لوضع أي اعتبار رسمي لقوات الدعم السريع أو مساواتها بالجيش السوداني الوطني.. ومن ذلك ما رشح عن حديث دار بشأن الأزمة في السودان بين الرئيسين المصري عبد الفتاح السيسي والإماراتي محمد بن زايد خلال زيارة الأخير للقاهرة مطلع الشهر الجاري، وما تبع ذلك من اتصالات مكثفة بين أبي ظبي والقاهرة بهذا الشأن، ولكن كل تلك المحاولات لم تفضِ إلى إحداث أي تليين في الموقف الرسمي المصري الرافض لوجود أي دور للدعم السريع وزعيمه حميدتي، مع التأكيد على أن دعم مصر للمؤسسة العسكرية السودانية الوطنية أمر لا تراجع عنه باعتبارها حزءًا لا يتجزأ من الأمن القومي المصري..كما رفضت مصر ذرائع أبو ظبي في دعمها المليشيا ضد الجيش السوداني وما تتدعيه من سيطرة الإسلاميين.
ولعل فشل تلك المساعي في تليين الموقف المصري من الدعم السريع، هو الذي دفع قائد التمرد إلى شن هجوم عنيف على الحكومة المصرية، في خطابه الأخير، وكيل الاتهامات لها بالمشاركة المباشرة في القتال بالسودان، وتوجيه ضربات مباشرة لقواته، ثم ادعائه بوجود جنود مصريين أسرى في قبضة قواته، كدليل على مشاركة قوات مصرية في القتال ضده.. وهو ما ردت عليه مصر بأنه كذب محض، وافتراء، مؤكدة عدم وجود أي عناصرعسكرية أو أمنية مصرية بالسودان..
وأشار محللون مصريون إلى عدم استبعاد تطور الموقف المصري من الدعم السريع، إلى توجيه ضربة عسكرية حقيقية، في حالة ما إذا حاولت مليشيا حميدتي إثبات تلك الدعاوى الكاذبة، بالقبض على مدنيين مصريين من المقيمين بالسودان، وهو أمر غيرمستبعد، والزعم أنهم يقاتلون في إلى جانب القوات السودانية.. وشدد المحللون المصريون على أن مصر لن تتهاون في حقوق مواطنيها.
والواضح أن الصياح والعويل الذي أطلقه قائد المليشيا جاء بعد فشل كل محاولات إيجاد مدخل لتعديل الموقف المصري، وهي في حقيقة الأمر محاولات قديمة وسابقة حتى لاندلاع الحرب في السودان، فسبق أن استجدى حميدتي القيادة المصرية زيارة مصر ، في خطابات رسمية صادرة من مكتبه عندما كان نائباً لرئيس مجلس السيادة، عارضاً التعاون معها فيما أسماه بـ “تشكيل مستقبل السودان”، وحثهم على أن لا يعتبروا وجوده في الواقع السوداني وجوداً مؤقتاً، زاعماً أن لديه القدرة على المساهمة الإيجابية في بناء سودان آمن ومستقر وموحد، ويبدي استعداده للتعاون في جميع المجالات الأمنية والسياسية والاقتصادية”!!.. ببساطة كان يعرض على مصر أن يكون رجلها في السودان.. ولكن من الواضح أن المصريين تجاهلوا طلبات الرجل منذ ذلك الحين، وحتى الآن، مما دفع به للانفجار والصراخ والعويل.
إنضم الى احدى مجموعاتنا على الواتس



