مقالات

*هل تنجح واشنطن في تمرير سيناريو التدخل العسكري؟!*

 

*أحمد غباشي*

الرواية الأمريكية عن حرب السودان لم تنته فصولها بعد!..ومقادير المولى جلَّ وعلا تجعل الرياح لا تجري وفق ما تشتهي سفن واشنطن!.. وهذا ما جعل إدارة بايدن تبحث عن حلول إسعافية وتسعى لتنفيذها، ولو بالإكراه، لتعيد بها جريان الأحداث إلى مسارها المكتوب في فصول روايتها، وتضع بعد ذلك الخاتمة التي تشتهي للحرب الأشنع في تاريخ الإقليم!!.

ينخرط المبعوث الأمريكي الخاص إلى السودان، توم بيريللو، هذه الأيام في حراك إفريقي محموم، لإنضاج “مخطط اللحظات الأخيرة” في السودان، بعد أن فشلت الوصفات الإسعافية المبتكرة في جنيف، في تحقيق أغراضها، رغم محاولات واشنطن لفرضها بالقسر وسياسة الأمر الواقع، ولكن إصرار السودان على موقف واضح رافض لاستحداث منبر جديد، يتجاوز ما تمّ الاتفاق عليه في جدّة ، ثم إحجامه عن المشاركة في المفاوضات التي رتبتها أمريكا، أدى إلى فشلها.. وهذا ما دفع إدارة بايدن للبحث عن حل آخر أكثر خشونة هذه المرة!!.. إذ تلجأ واشنطن إلى ورقة “التدخل العسكري”، تحت ذريعة حماية المدنيين!.
وتقوم الرؤية الأمريكية على أساس إعداد “قوات تدخل” إفريقية للقيام بالمهمة، بمسوِّغ أخلاقي وهو “وقف الحرب وحماية المدنيين”.. وهذا ما كشفه بيريللو، الأربعاء الماضي، في لقاء للصحفيين في نيروبي، موضحاً أنهم “فتحوا قنوات اتصال مع الاتحاد الإفريقي من أجل إعداد وتجهيز قوات للتدخل لحماية المدنيين في حرب السودان” وقالت صحيفة الشرق الأوسط، التي حضرت اللقاء، إن بيريللو “أحجم عن كشف الوقت المحدد لذلك”.

وجولة بيريللو في إفريقيا، التي بدأها بنيروبي، ويعرّج منها إلى أديس أبابا، وربما يختمها ببورتسودان كما هو معلن، يسعى من خلالها لترتيب خطته تلك، كانت لها مقدمات.. ففي أعقاب فشل “جنيف” حاولت واشنطن أن تسوِّق لفكرة “التدخل العسكري” على هامش جلسات الجمعية العامة للأمم المتحدة، حيث تم عقد اجتماع بشأن أزمة السودان وعرض مقترح لنشر قوات إفريقية في السودان، ولكن المشروع أُحبط نتيجة لرفض الدول الإفريقية ذلك بصورة قاطعة.. ولأن واشنطن لا تتنازل عن مشاريعها بسهولة، بل وحتى كانت تلك المناقشات في جلسة رسمية للأمم المتحدة، فإن واشنطن لن تكترث، فهى لا تعتبر المنظمة الأممية عائقاً يمكن أن يحول دون تنفيذ مخططاتها، بل يمكنها تجاوزها، كما فعلت في جميع حملاتها العسكرية السابقة في بلاد المسلمين.. ابتداءً من حرب العراق الأولى، والصومال، ثم أفغانستان، ثم العراق الثانية، وسوريا.. وفي كل تلك الحملات العالمية تحرّكت واشنطن وحرّكت العالم الغربي، بمعزل عن الأمم المتحدة ومجلس الأمن وقراراته!!.. وهاهي تريد أن تعيد السيناريو ذاته في السودان!..ولكن بأدوات إفريقية!!.

 

*هل تتورط الدول الإفريقية في مشروع أمريكا؟*

ولكن هل تنزلق الدول الإفريقية للتورط في المشروع الأمريكي، وترمي بجنودها إلى محرقة السودان؟!..حتى الآن الموقف الرسمي المعلن من مجلس السلم والأمن الإفريقي هو رفض مبدأ التدخل العسكري في السودان..هذا ما أكده وفد المجلس الذي زار بورتسودان الخميس الماضي وأجرى مباحثات مع رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان، وحاكم إقليم دارفور مني أركو مناوي، ومسؤولين سودانيين آخرين، بل وطرح خارطة طريق لاستعادة عضوية السودان في الاتحاد الإفريقي المعلقة منذ أكتوبر 2021م.
وهناك دول، مثل مصر التي ترأس الدورة الحالية للاتحاد الإفريقي، أعلنت بوضوح معارضتها الشديدة للخطة الأمريكية، وقال مندوب مصر لدى الاتحاد الإفريقي، محمد جاد، في تصريحات نقلتها عنه صحيفة “الشروق” : “إن هذا الاقتراح ليس جديداً، وتم طرح فكرة إرسال قوات إفريقية إلى السودان، وهو ما قوبل برفض قاطع من مصر ومن الدول الإفريقية الأخرى التي شاركت فيه”.
والذي يفعله بيريللو الآن، هو محاولة اختراق هذا الرفض الإفريقي لمشروعه، ولذلك من المتوقع أن يبدأ بالدول التي، ثبت تورطها في دعم التمرد والحرب على السودان، وطالما تبنى بعضها مواقف سيئة ضد السودان داخل الاتحاد الإفريقي، وهي كينيا وإثيوبيا، وتشاد، وإفريقيا الوسطى، رغم ما طرأ من تحولات في الموقف الإثيوبي.. أما جنوب السودان، فإن مصالحه في استعادة علاقة طبيعية مع السودان، تساعد على استئناف تدفق النفط عبر خطوط الأنابيب وموانئ التصدير السودانية، ربما تمنعه من التورط في الموافقة على المشروع الأمريكي، خاصة أن الصين قد بدأت خطوات عملية لاستئناف عمليات تصدير النفط.. وعموماً هذا الملف لن يكون سهلاً بالنسبة لبيريللو.
أما في حال ما إذا نحجت أمريكا في استقطاب العدد الكافي لتمرير رؤيتها في التدخل الإفريقي، فإنها ستقدم الغطاء الجوي للقوات المتدخلة، ولكن يبقى الإشكال هو استقطاب التمويل اللازم للعملية الإفريقية في السودان، خاصة إذا تمت خارج إطار الأمم المتحدة، التي من المؤكد أنه إذا تم عرض المشروع عليها، سيجد الفيتو الصيني والروسي له بالمرصاد.. وبالتالي فإن أي عملية إفريقية منفردة عن السياق الدولي، سيكون مصيرها الفشل بسبب ضعف التمويل، فواشنطن لن تحرص على صرف أموالها في السودان على غرار ما فعلت في أوكرانيا، وسيكون مصيرها مصير القوات الإفريقية التي دفع بها الاتحاد الإفريقي إلى دارفور، ففشلت، مما أدى لاستبدالها بالمهمة المشتركة للأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي (اليوناميد).
وفي تقديري أن واشنطن، حتى الآن، ترفع ورقة التدخل العسكري، لإجبار القيادة السودانية على تليين مواقفها، ففي يوليو الماضي طلب المبعوث بيريللو ومديرة الوكالة الأمريكية للتنمية سامنثا باور زيارة بورتسودان، ولقاء المسؤولين في مطار المدينة، ولما رفضت القيادة السودانية هذه الإهانة، ما كان من بيريللو وسامنثا إلى أن علقا زيارتهما.. وهو موقف استفزازي ينم عن عنجهية شبيهة بما قامت به وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة كونداليزا رايس، في عهد حكومة الإنقاذ، عندما طلبت لقاء والي شمال دارفور محمد يوسف كبر في طائرتها في مطار مدينة الفاشر، وحين رفض الوالي تلك الإهانة وقال إما أن تأتي إلى مقره وإما أن تغادر، وجدت رايس نفسها مجبرة على النزول عن عنجهيتها والحضور إلى مقر الولاية.. والموقف الأخير، اضطر الإدارة الأمريكية لانتظار قدوم البرهان إلى نيويورك لحضور اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، لتجري معه سلسلة لقاءات على هامش تلك الزيارة.. وفي تلك اللقاءات دارت نقاشات في جوانب مختلفة، كشفت القيادة السودانية عن بعضها، وسكتت عن بعضها، ويبدو أن من ذلك البعض المسكوت عنه، ما دار بشأن إنهاء الحرب، وبشأن تقاربات السودان الجديدة مع منافسي أمريكيا، “روسيا والصين”!.. ومن الواضح أيضاً أنهم فشلوا في تلك المرة أيضاً في تليين رأس البرهان، الذي جاء خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة واضحاً في تأكيده على مواقف السودان المعلنة، ومحمّلا “بالرسائل الضمنية” الموجهة إلى عدة جهات من بينها واشنطن.

 

*لماذا تتسارع خطوات واشنطن لحسم الملف السوداني؟*

 

عدة أسباب منها؛ اقتراب موعد الانتخابات الأمريكية دون أن تحرز إدارة بايدن أي نجاحات في الورطات التي أقحمت بلادها فيها، وبالذات في الحالة السودانية قاد الفشل إلى تعقيدات أكبر.
ومن الأسباب أيضاً الانتصارات الأخيرة للجيش السوداني، في محاور مهمة، في العاصمة الخرطوم، وفي شمال دارفور، وفي سنار، وفشل المليشيا وانكسارها، مع إصرار القيادة السودانية على إدارة الحرب والسياسة برؤية عسيرة الهضم والابتلاع على واشنطن، الأمر الذي حوّل تفكير واشنطن إلى أن ذلك يمكن أن يقود إلى وضع نهاية للحرب تؤدي إلى فشل الرؤية الأمريكية لسودان ما بعد البشير، بالكامل!..حيث سينقطع أمل واشنطن في عودة عملائها إلى سدة الحكم مرة أخرى!!..ولهذا ترفع واشنطن شعار “وقف الحرب وعودة الحكم المدني” وتزعم أن وراء هذا المطلب إجماع دولي.. والحكم المدني في رؤية واشنطن هو عودة الأوضاع لما قبل 25 أكتوبر 2021م.
وسبب آخر لا يقل أهمية عما سبق، هو اندفاع السودان في تطوير علاقات متميزة مع روسيا والصين، اللتين تعتبرهما واشنطن مزاحمتين على حقوقها في السودان!!.. ولذلك فإن حسم الحرب، ولو بتدخل عسكري، من شأنه أن يفشل الكثير من خطط الصين لاستعادة شراكتها في استثمارات نفط السودان وجنوب السودان، وهو ما مضت فيه الصين خطوات، مع كلا الدولتين، بالإضافة إلى عرقلة أحلام روسيا في القاعدة البحرية على البحر الأحمر.

وفي نهاية الأمر، فإن إدارة بايدن، في لحظاتها الأخيرة، تتقلب من فشل إلى فشل، من تخبط إلى تخبط، تحاول أن تسابق الزمن، ولكنها في كل خطوة تزيد الأمور تعقيداً على تعقيدها.

إنضم الى احدى مجموعاتنا على الواتس

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى