سياسةمقالات

قراءة في دفاتر اليسار السودان .. هل يعيد التاريخ نفسه – حسن عبد الحميد

حسن عبد الحميد
تمثل المذكرات الشخصية للسياسيين مادة مهمة جدا لمعرفة الكثير من خبايا السياسة السودانية وللأسف الشديد فإن معظم السياسيين السودانيين لا يكتبون مذكراتهم مما يساهم في ضياع الحقيقة وإفساح المجال واسعا لمدعيي البطولات ومزوري التاريخ، وهذا بدوره يساهم في تغبيش الوعي وتوهان الأجيال وطمس الحقائق، وليت من بقي حياً من ساستنا يسرع في كتابة مذكراته ليلقي ضوءا على تاريخ السودان السياسي ويدفع في اتجاه بيان الحقائق وكشف الزيف.
أقرأ هذه الأيام في مذكرات شوقي ملاسي، القيادي البعثي المعروف، والمذكرات صدرت عام 2004 عن دار عزة بالخرطوم بعنوان “أوراق سودانية شهادات ومشاهدات” تحرير وتقديم محمد سيد أحمد عتيق.. ورغم اختلافي الكبير مع البعثيين فكرا وسياسة إلا أن قراءة مذكرات شوقي ملاسي أتاحت لي فرصة للاطلاع على بعض خبايا السياسة السودانية، والرجل تحدث بصراحة شديدة وهذا مما يحمد له، والمذكرات تغطي فترة زمنية واسعة نسبيا وتتيح للقارئ الكثير من الحقائق التي قد تخفى على الكثيرين، فهو يتحدث مثلا عن علاقته بحزب الشعب الديمقراطي برئاسة الشيخ على عبد الرحمن، وعلاقة الاتحاديين بالانقلابات العسكرية، وصلته بالشريف حسين الهندي ومجلة الدستور اللندنية المعارضة لنظام نميري، وأسرار انقلاب هاشم العطا.. إلى غيرها من المواضيع.
مواضيع المذكرات كثيرة لكن استوقفتني الصفحات التي حكى فيها شوقي ملاسي عن تجربته في (لجنة التطهير) التي تم تشكيلها إثر ثورة أكتوبر برئاسة أحمد سليمان، الوزير الشيوعي، آنذاك وسنتطرق في هذه العجالة إلى هذا الجزء من المذكرات لاعتبارات قد لا تخفى على الكثيرين، فقد كان شوقي عضوا في اللجنة وحكى طرفا مما دار في مداولاتها ومسيرتها وخلص إلى نتيجة هامة في نهاية هذا الفصل، فقد خلص شوقي ملاسي في ختام حديثه عن تجربته في لجنة التطهير إلى الآتي، وسننقل من مذكراته حرفيا: ( ملخص ما يمكن قوله حول مسالة التطهير وقضايا الثراء الحرام وما نتج من إجراءات في المصالح وإدارات الحكومة أنها في أغلبها كانت قائمة على أحقاد شخصية وتصفية حسابات فيما بين الموظفين، ونتج عنها فقدان جهاز الخدمة المدنية السودانية عددا من القياديين المتمرسين في مختلف حقولها) انتهى كلام شوقي.
وفي هذا الفصل نكمل بعض العبر قبل أن نختم، فقد ذكر شوقي ملاسي أن من بين المعتقلين في سجن كوبر آنذاك اللواء أبارو وهو من كبار قادة الأجهزة الأمنية في عهد عبود، وقد حكى شوقي عن صفقة عرضها اللواء أبارو على لجنة التطهير مقابل أن يتم تحويل اعتقاله من سجن كوبر إلى اعتقال منزلي فقط، ومضمون الصفقة أن يكشف لهم اللواء أبارو عن عضو اللجنة المركزية والمكتب السياسي للحزب الشيوعي الذي كان يتعاون معهم في الأمن وكان يرشدهم على الأوكار السرية التي داهمها الأمن في الفترات الأخيرة، وأن يكشف لهم أيضا علاقتهم كجهاز بالمسؤولين في السفارة الأمريكية بالخرطوم، ويقول شوقي أنه سعد بهذه الصفقة وذهب ليقابل أحمد سليمان رئيس لجنة التطهير الوزير الشيوعي، فقابله وانفرد به وروى له عن العرض الذي تقدم به اللواء أبارو وشجعه بأنها فرصة لهم في الحزب ليعرفوا مصدر الضربات المتتالية عليهم، ولكن يقول شوقي إن أحمد سليمان فجعه بقوله هذا كلام فارغ، وإن اللواء أبارو يخطط للهروب، وهكذا استطاع الوزير الشيوعي أن يصرف شوقي ملاسي عن مسألة اختراق الأمن في عهد عبود للجنة المركزية والمكتب السياسي للحزب الشيوعي السوداني، ويبدو أن شوقي ملاسي كان طيبا أكثر من اللازم عندما عرض للوزير الشيوعي هذا العرض، فكيف كان يتوقع أن يوافق الشيوعيون على إعلان أن هناك عضواً في اللجنة المركزية والمكتب السياسي للحزب الشيوعي خائن للحزب ويتعامل مع الأجهزة الأمنية ضد حزبه؟!.. وهم الذين ملأوا الدنيا ضجيجا حول النقاء الثوري والثبات البطولي لقياداتهم أمام الطغمة العسكرية النوفمبرية في عهد عبود .. وكيف كان سيكون مستقبل الحزب الشيوعي وأداءَؤه السياسي في تلك الأيام لو تمت الصفقة وتم الإعلان عن عضو اللجنة المركزية الخائن؟.. وكيف كانت ستكون مانشيتات الصحف السياسية آنذاك؟ وكيف ستشتعل الليالي السياسية لخصوم الشيوعيين؟.
وربطاً للتاريخ بالواقع، فإن قصة اللواء أبارو التي أوردها في مذكراته تلقي الضوء على تلهف بعض الجهات للسيطرة على جهاز الأمن وتولي إدارته بواسطة مدنيين، والهدف من ذلك واضح جدا تتمثل أهم نتائجه في وضع يد الأحزاب على ملفات جهاز الأمن ومعرفة أسماء المتعاونين مع جهاز الأمن أيام الإنقاذ.. والحزب الذي يضع يده على هذه الملفات غالبا سيتحرك في مسارين؛ المسار الأول التستر على عضويته المتعاونة مع جهاز الأمن، والمسار الثاني فضح أعضاء الأحزاب الأخرى المتعاونين مع جهاز الأمن والإجهاز عل مستقبلهم السياسي أفرادا وأحزابا، وتشويه صورة جميع من ينتمون إليهم.. ولعل هذا يفسر تصريحات البرهان الأخيرة التي مفادها أن جهاز الأمن جهاز عسكري وسيظل بيد العسكريين، ولعل هذا التصريح قد أصاب الكثيرين بخيبة أمل كبيرة.
التاريخ لا يعيد نفسه كما يظن البعض، لكن أحداثه متشابهة الى حد كببر، وهنا موضع العبرة ومكان الاتعاظ !!..ولكننا نظل نتخبط كثيرا في مسارنا لأن السياسيين لا يكتبون، أو لأن تاريخنا يكتبه خصومنا وأعداؤنا وفي الحالتين الوطن ضائع.

إنضم الى احدى مجموعاتنا على الواتس

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى