
تقرير : نجاة حاطط
وصف خبراء اقتصاديون ما يحدث هذه الأيام من فوضى ومضاربات، على مدار الساعة، يومياً في أسواق النقد بالسودان بـ”الكارثة” التي تهدد بشلل اقتصادي كامل.. ويوالي الجنيه السوداني انهياره بصورة مريعة بشكل يومي مقابل العملات الأجنبية في حين تزداد المضاربات في الدولار الأمريكي والعملات الأجنبية في السوق الموازية.
وقال أستاذ الاقتصاد في الجامعات السودانية، دكتور محمد الجاك، إن بروز قبضة السوق الموازية والأنشطة الرمادية يتطلب من الدولة اتخاذ إجراءات فورية تشمل وضع سياسات صارمة تضمن وقف أنشطة الوسطاء والمضاربين.
وشدد الجاك، بحسب قناة”سكاي نيوز“ عربية، على أن إصرار وزارة المالية والجهات المعنية على عدم تغيير العملة سيغذي موجة التضخم الجامح التي بدأت ملامحها تتكشف يوماً بعد الآخر مع ارتفاع معدلات التضخم إلى أكثر من 300 في المئة.
وتشهد الأسواق بالسودان فوضى كبيرة نتيجة جنون الدولار الذي قفز إلى مستويات غير مسبوقة خلال فترة وجيزة.
طلبيات متعددة
في المقابل قال تجار عملة بالسوق الموازي إن مصدر الطلبيات يتغير بين ساعة وأخرى لكن معظم الطلبيات الكبيرة تأتي إما من مشتريات حكومية أو شركات خاصة كبيرة تعمل في مجال الاتصالات وطحن الدقيق.
أما القناة الثالثة والتي تستحوذ على حصة كبيرة من الطلبيات اليومية فهي المجموعات التي تعمل لصالح عدد من عناصر النظام السابق الذين يقومون بتسييل أصول وعقارات وأملاك تعود لتلك العناصر بهدف تهريب تلك الأموال إلى الخارج خوفاً من الملاحقة القانونية.
مناشدات
وكانت رسائل صوتية لتجار عملة تم تداولها قبل أيام بين تجارعملة فيما بينهم يناشدون بعضهم بالتوقف عن المضاربة في سعر الدولار، عقب تخطى الدولار حاجز الثلاثمائة وستين جنيها، و ذكر أحد التجار أنه التقى لتوه مواطنة بالصيدلية التي ذهب إليها يطلب دواء كانت قد دعت عليهم بعد أن أعجزها شراء الدواء بسبب ارتفاع سعره نتيجة لارتفاع أسعار الدولار بالسوق الموازي.. فيما طالب آخر الجميع بالتوقف قليلاً عن المضاربة في أسعار الدولار واعتبار، هذه الأيام، مثل إجازة عيد الأضحى، مطالبا الجميع بالتوقف عن المضاربة عند الساعة الرابعة مساء.
توقعات
وتوقع تجار عملة أن ترتفع أسعارالدولار بصورة صاروخية في خلال الإسبوع الجاري وأن يتخطى حاجز الأربعمائة جنيه أو يزيد عنها؛ بسبب الطلب العالي عليه، وبسبب أن هناك عددا من المواطنين حولوا مدخراتهم إلى دولار، مشيرين إلى أن الطلب الزائد على الدولار جعل بعض التجار يتوقفون عن البيع حتى يستقر سعر الدولار قليلا، مضيفين أن البيع، في مثل هذه الأحوال، يمكنه أن يتسبب في خسارات فادحة بالنسبة لهم في ظل التزايد المضطرد للعملات الأجنبية مقابل العملة الوطنية.
نصائح
وكان خبراء اقتصاديون قد نصحوا الحكومة الانتقالية باللجوء لتغيير العملة بدلا عن القبض على صغار التجار “السريحة” ثم إطلاق سراحهم ثانية، غير أن وزيرة المالية المكلفة د.هبة محمد علي اعتبرت أن تغيير العملة علاج غير فعال وتجميلي فقط كالمكياج، مشيرة إلى أن الحكومة لم تلجأ اليه لأرتفاع قيمة تغيير العملة، حيث تبلغ قيمتها أربعمائة مليون دولار، وقالت وزيرة المالية ’’تغيير العملة يكون نافعا إذا كان سبب التضخم بسبب كثرة العملات المزيفة ولكن سبب التضخم هو أن هناك سيولة خارج النظام المصرفي‘‘.
عدم جدية
وصف مصدر اقتصادي، فضل حجب اسمه، الحكومة بعدم الجدية في الحد من ارتفاع الدولار مضيفا أن الحكومة نفسها واحدة من الذين يضاربون في الدولار حيث يشترون الدولار بكميات كبيرة من تجار سوق. العملة مضيفا أن الحكومة نفسها اعترفت بذلك عندما دفعت الثلاثمائة مليون دولار للولايات المتحدة الأمريكية وقد اعترف نائب رئيس المجلس السيادي بأن الحكومة لاتمتلك المبلغ وقد اشترته من السوق الموازي الأمر الذي زاد من أرتفاع أسعار الدولار!!..
وأضاف المصدر أن الحكومة إذا اتخذت إجراءات صارمة في مواجهة تجار العملة فأن العملات الأجنبية لن ترتفع بهذه الصورة السافرة ولن يستطيع “السريحة” أن يعرضوا أموالهم “للغاشي والماشي” في صورة تهين من عملتنا الوطنية مضيفا أن جميع الدول التي تحترم عملتها تجعل المتاجرة في العملات أمراً غير قانوني، وتلزم الجميع بالاتجاه للنوافذ الرسمية بالبنوك الوطنية. مضيفاً أن الذين يقبض عليهم وهم يمتهنون هذا السلوك الشائن قد تصل عقوبتهم للحبس المؤبد، وأشار المصدر في حديثه لـ”شبكة الطابية الإخبارية ” إلى أنه على الحكومة اتباع ذات السياسات التي تتخذها تلك الدول مع ضرورة احتكار الدولة للمؤسسات التي تقوم بتصدر الصمغ العربي والأقطان والثروة الحيوانية والحبوب الزيتية حتى تتوفر لها السيولة النقدية من العملات الأجنبية، وشدد المصدر على ضرورة تضييق الفجوة بين السعر الرسمي للدولار مع سعره في السوق الموازي.
سياسات جديدة
قال المحلل الاقتصادي د.حسن ماشا إن السبب الرئيسي في انخفاض قيمة العملة المحلية يعود للدولة خاصة إن الأخيرة الآن غير موجودة، فلا توجد حكومة الآن أو من ينفذ سياساتها، مضيفاً أنه يأمل في أن يكون لوزير المالية القادم سياسات اقتصادية ناجعة تستطيع كبح جماح الارتفاع المضطرد للدولار..
وأشار ماشا في حديثه لـ”اشبكة الطابية الإخبارية” إلى أنه يتوجب على وزير المالية القادم أن ينفذ سياسات تختص بهيكلة بنك السودان لأنه القائم على السياسات النقدية، وعلى وزارة المالية أن تزيح العقبات التي تواجهها الآن فيما يتعلق بالسياسات النقدية والتجارية، لأن واحدة من أسباب انهيار الجنيه هو المضاربة فيه، والأخيرة هذه تعود لفشل الإنتاج وعدم الاستقرار الاقتصادي بصورة عامة مما جعل المواطنين يتجهون لتحويل مدخراتهم لعملة صعبة.
ولفت ماشا إلى ضرورة تشجيع الاستثمار الخارجي، مضيفا أنه إذا فعلت الدولة ذلك فستتوفر لديها العملات الأجنبية حتى لا تلجأ لشراء النقد الأجنبي من السوق الموازي، وشدد ماشا على ضرورة احتكار الدولة للسلع الضرورية كالوقود والدقيق، مضيفاً أن الشركات، التي تستورد هذه السلع الضرورية، تأخذ الدولارات من الدولة بسعر أقل بينما تضارب بأموال الدولة في سلع أخرى، كما أنها تلجأ لرفع السعر في السلع الضرورية، مشيراً لما يحدث الآن في الوقود.



