ثقافةصفحات متخصصةمقالات

الإعلام والفن في عهد قحت .. إلى أين؟

الفاتح عبد الرحمن محمد

عرض مسرحي خادش للحياء بالمسرح القومي السُّـوداني بأمدرمان يعيد للأذهان فيلم “ستموت في العشرين”، الذي احتوى أيضاً على لقطات أقل ما توصف به أنها غير لائقة ولا تشبه قيم وأخلاق المجتمع السُّـوداني، مما حدا بالقائمين على أمره للانصياع لضغط المجتمع وبعض النُّقاد بعدم عرضه بدور السينما بالخرطوم وبعض الولايات!.
أمَّا هذا العرض المذكور آنفاً فيبدو أنَّ منظميه أرادوا إخفائه خوفاً من النقد والهجوم حتى لا يكون مصيره شبيهاً بمصير الفيلم، ولكن تسريبات الصور من خشبة المسرح لشباب تظهر صدورهم العارية وهم يحملون على أعناقهم فتيات في مشهدٍ شاذ، فضحت أمرهم؛ واضعةً أمامنا علامات استفهام كبيرة أمام سؤال كبير مفاده: إلى أين يتجه الفن والإعلام في عهد قحت؟.

قحت وتغيير الصورة النمطية للمجتمع السُّـوداني!
غير خافٍ على الجميع الهدف الذي سعت، ولا زالت قحت تسعى، لتحقيقه في المجتمع السُّـوداني، هو تغيير صورته النمطية المحافظة إلى أخرى متحررة من كل القيود!.. وذلك بتركيزها على قطاعي الفن والإعلام الذيْن يمثلان القاعدة الأساسية لتغيير أخلاق المجتمعات وثقافاتها، في كل زمان ومكان.
فمشهدٍ فنيٍّ واحدٍ كفيل بتغيير كثير من القناعات، وكسر مثلها من الحواجز لدى المتلقين خصوصاً الشباب، كما أنَّ ظهوراً لإحدى إعلاميات القنوات الفضائية بشكلٍ جديدٍ سافرٍ، كفيل أيضاً باجتذاب مئات بل آلاف الفتيات ومحاولة تقليدها.
لذلك لم يأت تعيين “رشيد سعيد” مديراً عاماً للهيئة القومية للإذاعة والتلفزيون اعتباطاً؛ حيث جاء تعيينه بشكلٍ مؤقتٍ لمدة شهر خلفاً لـ”إبراهيم البزعي” الذي تمت إقالته والذي كان من جيل الإعلاميين المحافظين بالإذاعة والتلفزيون، ولا زال سعيد متربعاً على عرش الإعلام بالبلاد، بل وتمدَّدت صلاحياته؛ فالرجل الآن يشغل منصب وكيل أول وزارة الثقافة والإعلام، وكان يجمع إليه منصب المدير العام للهيئة القومية للإذاعة والتلفزيون، إلى تم تعيين لقمان أحمد في المنصب، بعد موجة انتقادات لجمع رشيد بين المنصبين!.

قحت ومظاهر تغريب المجتمع السُّـوداني:
ما بين ظهور مذيعات حاسرات الرأس بالفضائيات السُّـودانية وعلى رأسها التلفزيون القومي، وانتشار لبس البنطال بصورة كبيرة وسط النساء والفتيات، حيث كان لبسه جريمة يعاقب عليها قانون النظام العام السُّـوداني، (المُلغى) تحت ضغط العلمانيين واليساريين بالسُّـودان أثناء عهد الإنقاذ.
وقبل إلغاء القانون، حوكمت به الصحفية السُّـودانية “لبنى أحمد حسين” التي كانت تعمل لدى منظمة الأمم المتحدة لحفظ السلام بالسُّـودان، بعد القبض عليها في أحد المطاعم في العام 2009م، والتي غادرت بعدها مباشرةً للعاصمة الفرنسية باريس لمواصلة الضغط على الحكومة السُّـودانية لتقديم مزيد من التنازلات، ومنح مزيد من الحقوق التي أسفرت مجتمعة عن هذا الوضع الذي وصل إليه الشارع العام السُّـوداني من الانحلال وتفسُّخ الأخلاق.
وثمَّة كثير من مظاهر التغيير والتغريب للمجتمع كقيادة الدراجة الهوائية للفتيات، والسهر إلى الساعات الأولى من الصباح مع الشباب (من الجنسين) في المقاهي والشوارع والحدائق العامة دون رقيب أو حسيب.

دار المطلقات!
يأتي مسلسل دار المطلقات الذي عُرض على فضائية النيل الأزرق السُّـودانية في رمضان الماضي، مجسِّداً للتردِّي والانحلال الأخلاقي الذي عمَّ المجتمع في حقبة قحت المظلمة، حيث يعجُّ بالمشاهد الخادشة للحياء والتي لا تشبه شيم وعادات وأخلاق السُّـودانيين، ومنها مشهد لرجل وامرأة على فراش واحد بغرفة نوم مظلمة، أثار استنكاراً واسعاً في أوساط روّاد مواقع التواصل الاجتماعي.
وتدور أحداث المسلسل حول العلاقات الزوجية وما تعتريها من مشاكل وعقبات تؤثر بشكل كبير على استمرارية هذا الرباط المقدس، فينتهي الأمر بين الطرفين إلى الطلاق، وذهاب المطلقات للعيش في دار خاصة بهن.. وهذا على ما فيه من تزييف للحقائق، لا يخلو أيضاً من رسائل تشجيعية مغلَّفة للمتزوجات، فحواها أنَّه في حال انفصالكنَّ عن أزواجكنَّ؛ هناك أماكن مثالية تفتح أبوابها لكنَّ للعيش والاستقرار والتحرر من قيود المجتمع ونظرته للمطلقة!.. وفي هذا خراب وتدمير لكثير من البيوت الآمنة والمستقرة.

هل سيصبح ثوب المرأة السُّـودانية من الماضي؟
لطالما تميَّزت المرأة السُّـودانية بالثوب الذي يُعدُّ من المعالم البارزة والفريدة للمكوِّن التراثي والفني لهذه المرأة، حيث يرجع تاريخه إلى الحضارات القديمة، كحضارة البجراوية ومروي، قبل أكثر من أربعة آلاف عام، ويتميز بأنَّه جزء من التراث والتاريخ السُّـوداني، ومرتبط بالعادات والتقاليد وطقوس الزواج والفرح والحزن.
وعلى الرغم من أن الثوب كان خاصاً بكنداكات (ملكات) ذلك الزمان، إلاَّ أنَّ كنداكات قحت لهنَّ رأي آخر، حيث يتعرَّض هذا الثوب الآن لهجمة شرسة ومحاولات إلغاء وإزاحة لإحلال التبرج والسفور مكانه، فهو بجانب أنَّه يمثل التاريخ المحافظ للمرأة السُّـودانية على امتداد الأزمنة، يمثِّل أيضاً اللمحة الإسلامية حين تتوفر فيه كل مواصفات الزي الإسلامي المحتشم، لذلك تسعى قحت ممثلة في عدد من وزيراتها وناشطاتها لإلغائه، بتعمُّد عدم ارتدائه حتى يترسَّخ لدى الأجيال القادمة بمرور الوقت أنه عبء ثقيل يجب التخلص منه.
إذن محاولات التغريب والتأثير عبر الفن والإعلام الذي تمارسه حكومة قحت بدأ يؤتي أكله بصورة سريعة، وذلك لهشاشة البنية التربوية والتوعوية التي تعاني منها معظم قطاعات المجتمع وخصوصاً الشباب، وستكون النتائج مدمرة بصورة أكبر، ما لم تكن هناك جهود مضادة لكبح جماح هذه الموجة العاتية، ويبقى الجهد الأكبر على الدعاة والمصلحين والتربويين لاستغلال كافة الإمكانات المتاحة وتطويعها لمغالبة الباطل الذي لن يصمد طويلاً أمام جهود أهل الحق، فالنصر صبر ساعة.

إنضم الى احدى مجموعاتنا على الواتس

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى